حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,22 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8713

د. هيثم علي حجازي يكتب: حين يُستبعد أهل الخبرة… مَن يصنع القرار ومَن يحرس ذاكرة الدولة؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: حين يُستبعد أهل الخبرة… مَن يصنع القرار ومَن يحرس ذاكرة الدولة؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: حين يُستبعد أهل الخبرة… مَن يصنع القرار ومَن يحرس ذاكرة الدولة؟

22-02-2026 10:14 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
في كل دولةٍ تراكمٌ بشريٌّ لا يقل قيمةً عن تراكمها المالي أو المؤسسي. ويتمثل هذا التراكم في رجال ونساء أفنوا أعواما طويلة في مواقع متعددة داخل القطاع العام، وعايشوا مراحل التحول، والإصلاح، والازدهار، والتحديات. وفي الأردن، شهد القطاع العام فتراتٍ وُصفت بالازدهار المؤسسي والإداري، وكان خلفها جيلٌ من القيادات الإدارية والفنية التي امتلكت معرفة عميقة ببنية الدولة وآليات عملها.
اليوم، وبعد خروج كثيرٍ من هؤلاء من مواقع المسؤولية، يُلاحظ أن الحكومات المتعاقبة نادرا ما تستعين بهم أو تستشيرهم عند صياغة السياسات أو اتخاذ القرارات الكبرى. وفي الوقت ذاته يتم الاعتماد على كوادر حديثة العهد بالعمل العام، أو على أشخاص قادمين من خارج المنظومة الحكومية، بل أحيانا من القطاع الخاص، دون امتلاك معرفة كافية بتعقيدات الإدارة العامة، الأمر الذي أدّى في كثير من الحالات إلى اتخاذ قرارات غير ناضجة، كانت لها آثارها السلبية في مختلف المجالات، بل وأدى الأمر إلى إبطالها بقرارات قضائية.
وهذه الظاهرة تثير تساؤلا جوهريا: ما كلفة تحييد أهل الخبرة؟ وكيف يمكن تحويل خبراتهم إلى رافعةٍ لصناعة القرار بدلا من تركها على هامش المشهد؟ وهل يمكن لدولة أن تبدأ من الصفر مع كل تغيير إداري دون أن تدفع ثمنا باهظا؟
قبل الخوض في السلبيات، لا بد من التذكير بأن الإدارة العامة تختلف جذريا عن الإدارة في القطاع الخاص.
فالقطاع الخاص تحكمه اعتبارات الربحية والكفاءة السوقية وسرعة القرار، بينما القطاع العام محكوم بتوازنات قانونية ورقابية وسياسية ومجتمعية معقدة. ومن المعروف أن القرار الحكومي يجب أن لا يُقاس فقط بجدواه الاقتصادية، بل أيضا بعدالته، وقابليته للتطبيق، وأثره الاجتماعي، وانسجامه مع التشريعات النافذة.
إن نقل خبرات إلى القطاع الحكومي من خارجه دون تأطيرها بمعرفة عميقة ببيئة العمل الحكومي قد يؤدي إلى طرح حلول سريعة قصيرة الأمد على حساب الاستدامة، وتجاهل التعقيدات القانونية والإجرائية، وصدام غير محسوب مع الجهاز البيروقراطي.
وهنا تتجلى أهمية القيادات التي عايشت المنظومة الحكومية لعقود؛ فهي تعرف “ما يمكن فعله” و”ما لا يمكن”، وتدرك الفارق بين الطموح النظري والإمكان التنفيذي.
إن استبعاد أهل الخبرة والتخصص عن عملية صنع القرار الحكومي يؤدي إلى وجود سلبيات عديدة، منها: (1) فقدان الذاكرة المؤسسية. فالعمل الحكومي ليس مجرد إجراءات مكتوبة، بل هو شبكة من الخبرات التراكمية، والعلاقات المؤسسية، وفهم السياق السياسي والاجتماعي. واستبعاد القيادات السابقة يعني عمليا قطع الصلة بالذاكرة المؤسسية، مما يؤدي إلى تكرار الأخطاء، أو إعادة تجربة سياسات ثبت عدم جدواها سابقا. فالذاكرة المؤسسية ليست أرشيفا ورقيا، بل خبرة بشرية تختزن أسباب نجاح سياسات سابقة، ودوافع فشل تجارب إصلاحية، وحساسية اتجاه بعض الملفات، وشبكات التنسيق بين المؤسسات. (2) قرارات غير واقعية أو غير قابلة للتطبيق، فكثيرٌ من أصحاب الخبرة يدركون الفجوة بين النصوص النظرية والواقع التنفيذي. وغيابهم يفتح الباب أمام قرارات قد تبدو جذابة على الورق، لكنها تصطدم لاحقا بعقبات إدارية أو قانونية أو مالية كان يمكن توقعها مسبقا (3) إضعاف الروح المعنوية داخل الجهاز الحكومي. فحين يرى الموظفون أن من خدموا طويلا وأثبتوا كفاءةً يتم تهميشهم فور خروجهم من المنصب، تتعزز لديهم قناعة بأن الخبرة لا تُكافأ، وأن الانتماء المؤسسي مؤقت. وهذا ينعكس سلبا على ثقافة الأداء والولاء المؤسسي (4) القطيعة بين الأجيال الإدارية. إن الإدارة الرشيدة تقوم على انتقال الخبرة بين الأجيال. وعندما يُستبدل جيلٌ بآخر دون تواصل أو إشراك، تتشكل فجوة معرفية تؤثر سلبا في جودة الأداء والاستقرار المؤسسي (5) تكرار الأخطاء وإهدار الموارد. فعندما لا تُستحضر التجارب السابقة، تظهر أنماط متكررة من إعادة إطلاق مبادرات سبق أن جُرِّبت وفشلت، أو تجاهل تحذيرات فنية كان يمكن أن توفر الوقت والمال، مما يرفع كلفة القرار العام.
وبشكل عام، فإن تجاهل أصحاب الخبرة يبعث برسائل سلبية داخل الجهاز الحكومي مفادها أن الخبرة الطويلة لا تُقدَّر؛ وأن الابتعاد عن موقع العمل يعني نهاية الدور الوطني؛ وأن الولاء المؤسسي لا يُكافأ. وهذه الأمور بمجملها تُضعف الحافز لدى القيادات الوسطى لتطوير أنفسهم على المدى الطويل، لأنهم يرون أن الاستثمار في الخبرة لا يقابله تقدير مؤسسي مستدام. وهنا تتحول الإدارة من مشروع مهني طويل الأمد إلى محطة عابرة.
المطلوب ليس العودة إلى الماضي، ولا إعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم في مواقع السلطة، بل بناء آليات مؤسسية تطوعية غير مدفوعة الأجر للاستفادة من خبراتهم، من خلال: (1) إنشاء مجالس استشارية وطنية، إذ يُمكن للحكومة أن تعمد إلى تشكيل مجالس استشارية تضم قيادات سابقة مشهودا لها بالكفاءة، وبحيث يتم استدعاؤها عند مناقشة قضايا استراتيجية مثل الإصلاح الإداري، أو إعادة هيكلة المؤسسات، أو السياسات المالية (2) تصميم برامج الإرشاد والتوجيه بحيث يتم تخصيص برامج رسمية يلتقي فيها المسؤولون الجدد مع قيادات سابقة لنقل المعرفة العملية، ومناقشة التحديات التنفيذية بما يعزز جاهزية الجيل الجديد (3) إنشاء بيوت خبرة وطنية، ويكون ذلك عبر إنشاء منصات أو مراكز تفكير (Think Tanks) تضم خبرات سابقة في الإدارة العامة، تُعد دراسات وتقدم توصيات مستقلة تدعم القرار الحكومي (4) تفعيل برنامج نقل المعرفة المؤسسية بحيث يتم إلزام كل مسؤول يغادر موقعه بإعداد تقرير خبرة يتضمن الدروس المستفادة، والتحديات، والتوصيات المستقبلية، ومناقشته مع الخلف الجديد لضمان انتقال سلس للمعرفة (5) بناء قاعدة بيانات وطنية للخبرات من شأنها توثيق الكفاءات الحكومية السابقة وتخصصاتها في قاعدة بيانات رسمية، بحيث يسهل الاستعانة بها مجانا عند الحاجة في اللجان الوطنية أو الدراسات المتخصصة (6) إقامة شراكة بين الأجيال من خلال تنظيم لقاءات دورية مغلقة تجمع القيادات الجديدة بقيادات سابقة لتبادل الرأي حول قضايا محددة، بعيدا عن الاعتبارات السياسية أو الإعلامية، بما يعزز التكامل لا التنافس.
لقد أدركت العديد من الدول أن الخبرة الوطنية أصلٌ استراتيجي لا يقل أهمية عن رأس المال المالي. ففي المملكة المتحدة، تتم الاستعانة بكبار موظفي الخدمة المدنية بعد تقاعدهم ضمن لجان مراجعة السياسات أو الهيئات الرقابية لأن ثقافة “الخدمة العامة” تجعل من الخبرة المتراكمة رصيدا وطنيا لا يُهدر. وتُعد سنغافورة أنموذجا آخر في الحفاظ على الخبرات الإدارية؛ إذ تُعاد الاستفادة من كبار المسؤولين السابقين في مجالس إدارة الهيئات العامة أو في لجان التخطيط الاستراتيجي بشكل تطوعي، وبما يضمن استمرارية الرؤيا وعدم انقطاع الخبرة. وفي فرنسا، تستمر القيادات الإدارية في التأثير عبر المجالس الاستشارية ومراكز الدراسات حتى بعد مغادرة المناصب الرسمية، مما يحفظ للدولة استمرارية التفكير الاستراتيجي.
هذه النماذج لا تعني غياب التجديد، بل تؤكد أن التجديد لا يتعارض مع الاستفادة من الخبرة؛ بل يتكامل معها. ولا أحد يجادل في أهمية ضخ دماء جديدة في القطاع العام، ولا في قيمة الاستفادة من خبرات القطاع الخاص في بعض المجالات. لكن المشكلة لا تكمن في “الجديد” بل في إقصاء “المجرَّب”. فالتنمية الإدارية ليست صراع أجيال، بل شراكة بين من يملك الحماس ومن يملك الخبرة.
التجديد ضرورة، لكن التهميش ليس شرطاً للتجديد. وضخ دماء جديدة لا يعني قطع الشريان الذي يغذيها بالخبرة. والدولة الرشيدة لا تختار بين الماضي والمستقبل، بل تصنع مستقبلاً يستند إلى فهم عميق لماضيها.
إن الدول التي تنجح في بناء مؤسسات مستقرة هي تلك التي تحترم ذاكرتها، وتستثمر في خبراتها، وتبني جسوراً بين الماضي والمستقبل. أما الدول التي تبدأ من الصفر مع كل تغيير إداري، فإنها تدفع كلفة عالية من الوقت والموارد والثقة العامة.
استبعاد أهل الخبرة عن عملية صنع القرار ليس مجرد مسألة إدارية، بل قضية تتعلق بكفاءة الدولة واستدامة سياساتها. والأردن، بما يملكه من كفاءات خدمت عقوداً طويلة في فترات ازدهار القطاع العام، يملك ثروة بشرية حقيقية. والسؤال ليس: هل نحتاج إلى هؤلاء؟ بل: كيف نحوّل خبراتهم إلى رافعةٍ تعزز القرار وتختصر الطريق نحو إصلاحٍ أكثر نضجاً وواقعية؟ فالخبرة ليست عبئاً يُستبعد، بل ضمانة استقرار. وفي النهاية، لا تُبنى الدول بنسف الجسور التي تربط مع الماضي، بل بالتراكم.











طباعة
  • المشاهدات: 8713
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
22-02-2026 10:14 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم