حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,2 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6489

د. هيثم علي حجازي يكتب: البيروقراطية الحكومية بين النموذج النظري والتحديات التطبيقية

د. هيثم علي حجازي يكتب: البيروقراطية الحكومية بين النموذج النظري والتحديات التطبيقية

د. هيثم علي حجازي يكتب: البيروقراطية الحكومية بين النموذج النظري والتحديات التطبيقية

02-02-2026 09:28 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
تُعدّ البيروقراطية، كما صاغها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، أنموذجا تنظيميا يهدف إلى تحقيق الكفاءة والانضباط والعدالة في إدارة المؤسسات، من خلال مجموعة من المبادئ التي تقوم على عدم التحيز، والتقسيم الواضح للعمل، والهيكلية الرسمية للسلطة، والترقية على أساس الجدارة، والالتزام بالقواعد والإجراءات المكتوبة، واستخدام الخبراء، والتوثيق، ونظام الخدمة الوظيفية، وسرية المعلومات، والفصل بين الدور الرسمي والعلاقات الشخصية. وقد شكّل هذا النموذج ما عُرف بـ"المنظمة المثالية" التي تسعى إلى ضمان استمرارية العمل واستقراره بعيدا عن الأهواء الشخصية.
عند إسقاط هذا الإطار النظري على الحالة الأردنية، يتضح أن الإدارة الحكومية في الأردن تتبنى من حيث الشكل معظم الخصائص البيروقراطية التي أشار إليها فيبر. فالوزارات والمؤسسات الرسمية تتمتع بتقسيم واضح للاختصاصات، والجهاز الإداري قائم على هيكل هرمي متدرج، كما يخضع الموظفون لنظام الموارد البشرية الذي ينظم الرواتب والترقيات والإجازات. كما تحكم العمل الحكومي مجموعة واسعة من القوانين والتعليمات والنماذج الرسمية، ويُعدّ التوثيق الكتابي عنصرا أساسيا في إنجاز المعاملات، بما يعكس حضورا قويا للجانب الإجرائي في الإدارة العامة.
إلا أن التحدي في الحالة الأردنية لا يكمن في وجود / غياب البيروقراطية، بل في طبيعة ممارستها ودرجة مرونتها. فبينما تهدف البيروقراطية نظريا إلى تحقيق الحياد والعدالة، يواجه التطبيق أحيانا تأثيرات الثقافة الاجتماعية القائمة على العلاقات الشخصية، وهو ما يضعف مبدأ الفصل بين الدور الوظيفي والاعتبارات الشخصية. كما أن الترقية على أساس الجدارة، رغم تنظيمها قانونيا، قد تتأثر في بعض الأحيان بعوامل غير موضوعية، الأمر الذي يحدّ من فاعلية أحد أهم أسس النموذج البيروقراطي.
وتبرز مشكلة البيروقراطية في الأردن بصورة أوضح من خلال تعقيد الإجراءات وطول دورة المعاملة. فكثير من الخدمات تتطلب المرور بسلسلة من الموافقات والتواقيع، مما يؤدي إلى بطء الإنجاز وزيادة العبء على المواطن والمستثمر على حد سواء. ويرتبط بذلك بطء عملية اتخاذ القرار نتيجة التدرج الإداري الطويل وثقافة تجنب المسؤولية، إذ يميل بعض الموظفين إلى الالتزام الحرفي بالنصوص خشية المساءلة، حتى في الحالات التي تتطلب مرونة واجتهادا. وهنا تتحول القواعد من وسيلة لتنظيم العمل إلى قيد يحدّ من الابتكار.
ومن المفارقات أن البيروقراطية، التي صُممت أصلا للحد من المحسوبية والقرارات الاعتباطية، قد تصبح بيئة تسمح بالالتفاف على الإجراءات عبر العلاقات الشخصية إذا ضعفت الرقابة والشفافية. كما يواجه الجهاز الحكومي تحديات في مجال التحول الرقمي؛ فعلى الرغم من التقدم في تقديم الخدمات الإلكترونية، فإن بعض الإجراءات الرقمية تُضاف إلى المسار الورقي بدل أن تحلّ محله، مما يقلل من الأثر الحقيقي للرقمنة.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن النظر إلى البيروقراطية في الأردن بوصفها عبئا خالصا. فالأردن، في ظل موارده المحدودة، يحتاج إلى جهاز إداري منظم يضمن استمرارية العمل، وحماية المال العام، وتوثيق الإجراءات، وتحديد المسؤوليات بوضوح. ومن هذا المنظور، تمثل البيروقراطية صمام أمان مؤسسي يحول دون الفوضى والقرارات الفردية غير المنضبطة. لكن تضخمها وضعف تحديثها قد يحولانها من أداة تنظيم إلى كابح للتنمية.
وعليه، فإن الإصلاح المطلوب في السياق الأردني لا يقوم على رفض البيروقراطية، بل على إعادة توجيهها لتؤدي وظيفتها الأصلية. ويتحقق ذلك من خلال تبسيط الإجراءات وتقليص عدد الموافقات غير الضرورية، وإعادة تصميم العمليات الإدارية بالتوازي مع التحول الرقمي، بحيث تُلغى المراحل الزائدة بدل نقلها إلى منصة إلكترونية. كما يُعدّ تفويض الصلاحيات وتقليص المستويات الإدارية خطوة ضرورية لتسريع اتخاذ القرار، إلى جانب ربط تقييم الأداء بجودة الخدمة المقدمة للمواطن، لا بعدد الإجراءات المتبعة.
علاوة على ذلك، فإن الأنظمة الإلكترونية الشفافة تمثل أداة فاعلة للحد من المحسوبية، من خلال توحيد المسارات الإجرائية وتتبع المعاملات، مما يقلل من فرص التدخل غير الرسمي. ولا يقل عن ذلك أهمية تحديث التشريعات والأنظمة القديمة بما يحقق مرونة أكبر في التطبيق دون الإخلال بسيادة القانون.
وفي المحصلة، تكشف الحالة الأردنية أن جوهر المشكلة لا يتمثل في وجود البيروقراطية بحد ذاتها، بل في درجة تضخمها وجمودها. فحين تكون البيروقراطية معتدلة، واضحة، ومدعومة بالتقنيات الحديثة، فإنها تسهم في تحقيق العدالة والكفاءة. أما حين تتحول إلى شبكة معقدة من الإجراءات التي لا تتم مراجعتها وتطويرها، فإنها تعيق المواطن والاستثمار والابتكار. ومن هنا، فإن مستقبل الإدارة العامة في الأردن يرتبط بقدرتها على إعادة ضبط البيروقراطية لتكون وسيلة فاعلة لخدمة الصالح العام، لا غاية قائمة بذاتها.












طباعة
  • المشاهدات: 6489
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
02-02-2026 09:28 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم