29-01-2026 08:18 AM
سرايا - يذهب الشاعر الأردني حاكم عقرباوي إلى أن الشعر مقاومة من داخل التماهي، فـ»القصيدة لا تهزم العدم بإلغائه، بل بمواجهته دون إنكار، ثم بانتزاع أثر صغير منه: صورة، جملة، إيقاع، اعتراف».
الشاعر نفسه كان صدر له، حديثا، عن وزارة الثقافة، مجموعة شعرية جديدة بعنوان «محضُ هباءٍ تُجيزهُ اللغةُ»، وبمناسبة إصداره الجديد كان لنا معه الحوار الآتي..
عنوان المجموعة «محضُ هباءٍ تُجيزهُ اللغةُ» يشي بمفارقة لافتة بين العدم واللغة، كيف وُلد هذا العنوان، وما الذي يمثله في رؤيتك الشعرية؟
- المفارقة تكمن في أن هذا «الهباء» الذي لا يحمل أي قيمة حقيقية أو جوهرية، يتم منحه نوعًا من الشرعية أو القبول من خلال اللغة نفسها. اللغة هنا تُمكّن حتى الأشياء التافهة أو التي لا جدوى منها من أن تُقال وتُعبّر عنها بشكل يمكن للآخرين فهمه أو التعامل معه.
وهل اللغة مجرد أداة للتواصل الفعّال، أم أنها يمكن أن تمنح «شرعية» لما هو عديم الجدوى؟ ربما هي مفارقة اللاجدوى والسلطة التي تمنحها اللغة، وربما من هنا وُلد هذا العنوان.
تحضر ثيمة الموت والعدم بقوة في هذه المجموعة، هل هي امتداد لانشغالات سابقة أم تحوّل في مسارك الشعري؟
- الموت والعدم ليسا ثيمتين معزولتين، بل هما نواة رؤية تشدّ عناصر القصيدة (الذات، الزمن، الجسد، المكان، اللغة) إلى سؤال واحد: كيف يمكن للقصيدة أن تقول ما يقف على حافة الصمت؟ وكيف تُنتج أثراً في عالمٍ يعمل باستمرار على محو الأثر؟
ثيمة الموت والعدم هي بالطبع انشغالات سابقة ذات عمق فلسفي وتعبيري تعكس قلق الإنسان من مصيره، حيث يكمن الإحساس بالفقدان والتشظي والصراع الداخلي بين الحياة والموت، بين الوجود الذي قد يبدو» مؤقتًا « والعدم الذي يلوح في الأفق. هما التساؤلات الوجودية عن معنى الحياة وأسباب الاستمرار فيها، ويعبران عن التوتر بين الأمل واليأس، كما يتم تصوير الموت كظاهرة غامضة لا يمكن الهروب منها، لكنه عندي نقدٌ للحياة السائدة فهو ليس لحظة النهاية، بل شكل حياة: موتٌ يومي صغير ومتكرر.
هل ترى الشعر مساحة لمقاومة العدم أم للتماهي معه؟
أراه مقاومةً من داخل التماهي: القصيدة لا تهزم العدم بإلغائه، بل بمواجهته دون إنكار، ثم بانتزاع أثر صغير منه: صورة، جملة، إيقاع، اعتراف.
حتى أكثر القصائد قتامةً تحمل مقاومةً كامنة لأنها تقول: كان هنا وعيٌ، وكان هنا صوتٌ، وكان هنا شكلٌ لمحوٍ لا شكل له.
تضم المجموعة 58 قصيدة قصيرة تنتمي في جلّها إلى قصيدة النثر، ما الذي يمنح هذا الشكل قدرتَه على التعبير عن هواجسك؟
- قصيدة النثر تعبر تعبيرًا واضحًا عن تجربتي، أو إذا شئت عن هواجسي، فقد جاءت بوصفها خيارًا جماليًا ووجوديًا أكثر من كونها مجرّد شكلٍ كتابيٍّ بديل. وفي هذا النمط الشعري وجدت مساحةً حرّة تمكِّنني من الإفصاح عن قلقي الداخلي وتساؤلاتي الوجودية، لكنني لم أتخلَّ عن الإيقاع ولم أجده يحد من تدفّق التجربة الشعورية.
ومن هنا بدت قصيدة النثر قادرة على احتضان هذا القلق الشعري، بما تتيحه من انفتاح على اليوميّ والتأمّليّ والرمزيّ في آن واحد. وعليه، يمكن القول إن قصيدة النثر عندي ليست اختيارًا شكليًا عابرًا، بل كانت أداة فنية ملائمة للتعبير عن هواجسي الشعرية، شريطة أن تستند إلى لغة موحية وبنية نصية متماسكة قادرة على إنتاج شعرية خاصة تُقنع المتلقي وتؤكد مشروعية هذا الخيار الجمالي.
قصائدك تبدو مكثفة ومشحونة بالدلالة، هل تراهن على الاختزال بوصفه قيمة جمالية أم ضرورة فكرية؟
- أراها رهاناً جمالياً وضرورة فكرية في آنٍ واحد، لكن يمكن تمييز «وظيفتين» للاختزال: اختزالٌ يصنع الجمال، واختزالٌ تفرضه الرؤية.
حين تكون القصيدة مكثّفة ومشحونة بالدلالة، فهذا عادةً نتيجة قرارٍ جمالي واعٍ يقوم على أقلّ عدد من الكلمات مقابل أكبر عدد من الدلالات. والتكثيف هنا يجعل الإيقاع أقرب إلى نبض داخلي متوتر، لا إلى امتداد خطابي، إذاً الاختزال يخلق فراغات تأويلية، فيصبح المعنى «مُنتجاً» أثناء القراءة لا «مُسلّماً» جاهزاً.
إلى أي مدى تشتغل قصيدتك على الغموض بوصفه أفقاً للتأويل لا عائقاً للفهم؟
- الغموض هنا كـأفق للتأويل من خلال توظيف الرموز والطبقات الدلالية المتعددة، مما يدعو القارئ لمغامرة تأويلية مفتوحة، لا عائقًا للفهم، حيث يتفاعل مع الغموض كمحفز لا كمُعطِّل، ويكتشف أبعاداً جديدة تتجاوز المعنى الحرفي لتصل إلى التجربة الإنسانية العميقة، معتمدة على أدوات مثل الصورة الشعرية والإيقاع لفتح أبواب التأويل بدلًا من إغلاقها بفهم واحد. والقصيدة لا تقدم معنى واحدًا، بل تفتح مسارات متعددة، تاركةً للقارئ حرية بناء المعنى بناءً على تجربته ووعيه، مما يجعل الغموض مصدرًا للإثراء والتأمل.
إن استخدام لغة مجازية، ورموز غامضة، وأساطير، يجعل النص غنيًا بالدلالات، فيصبح القارئ مشاركًا نشطًا في الكشف عن هذه الدلالات بدلاً من مجرد استقبالها.
تستخدم الرموز والكنايات بكثافة، هل هي خيار واعٍ أم أنها تفرض نفسها مع الموضوعات التي تكتبها؟
- استخدام الرموز والكنايات بكثافة هو مزيج من الخيار الواعي والضرورة الفنية؛ فالكاتب يختارها بوعي لتعميق المعنى وإثارة الفكر وإضفاء جمالية، ولكن الموضوعات الجادة والمعقدة، خاصة السياسية والوجودية، تفرض هذه الأدوات البلاغية لضرورة توصيل رسائل لا يمكن قولها مباشرة، فتصبح وسيلة لإخفاء المعنى وراء قناع فني أو لتقديم نقد لاذع، مما يجعلها أداة إبداعية قوية وضرورية في آن واحد.
الرموز والكنايات ليست مجرد «اختيار» بل هي تفاعل عضوي بين الكاتب وقلمه والموضوع الذي يتناوله؛ فالكاتب المبدع يختارها بوعي والموضوعات ذات الأبعاد العميقة تفرضها كضرورة فنية وبلاغية، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من العملية الإبداعية في الأدب.
بعد هذا العدد من الإصدارات الشعرية، كيف تنظر إلى تطور صوتك الشعري؟
- يتطور الصوت الشعري بوصفه صوتًا مركّبًا، يقوم على التوتر بين الحضور والغياب، وعلى الاقتصاد اللغوي والكثافة الدلالية. وفيه تميل الجملة الشعرية إلى الاختزال. والمفارقة وتجنّب النبرة العالية، ليغدو الصوت أقل تصريحًا وأكثر إيحاءً، وأقرب إلى الإصغاء منه إلى الإعلان.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم تطوّر الصوت الشعري بوصفه تغييرًا في الأسلوب فحسب، بل هو تحوّل في الرؤية الشعرية نفسها؛ انتقال من شاعر يكتب ذاته باندفاع وجداني، إلى شاعر يعيد التفكير في العالم عبر القصيدة، ويمنح القارئ دورًا فاعلًا في استكمال المعنى. وهو تطوّر يدلّ على وعي جمالي متنامٍ، وعلى رغبة في تجاوز التكرار إلى أفق شعري أكثر انفتاحًا وعمقًا. هذا في المجمل، فهل وصلت إلى شيءٍ كهذا ؟ أتمنى ذلك.
هل ترى أن الخطأ جزء أساسي من التجربة الإنسانية ومن فعل الكتابة؟
- نعم، الخطأ جزء أساسي لا يتجزأ من التجربة الإنسانية وفعل الكتابة، فهو محفز للتعلم والنمو، ووسيلة لاكتشاف الحقيقة والوصول إليها، ويدل على محاولتنا ووجودنا، فالبشر يخطئون وهذا ما «يميزهم» عن غيرهم ويفتح لهم طريقاً للتطور بدلاً من الوقوع في فخ المثالية المفرطة، كما أن الأخطاء الكتابية نفسها تشكل جزءاً من عملية الصقل وصولاً إلى النص النهائي.
هل تكتب الشعر اليوم بدافع السؤال أم بدافع النجاة؟
- كلاهما؛ فأنا شاعر يزرع الأسئلة لكي ينجو من السقوط في حفرة السؤال!!
ما مشاريعك الشعرية المقبلة، وهل ما زال الشعر قادراً على مفاجأتك؟
- أريد أن أواصل الكتابة، وأن أطوِّر مشروعي ونصوصي. ليست لي انشغالات أخرى على صعيد الكتابة، سوى الاهتمام بقصيدتي. أما إن كان الشعر قادراً على مفاجأتي فهذا منوط بمدى قدرتي على تطوير أدواتي.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
29-01-2026 08:18 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||