23-01-2026 06:55 PM
سرايا - هذا الكتاب هو أطروحةَ الدكتوراة للدكتورة نهال مهيدات والذي نالت عليه درجة الدكتوراة من جامعة اليرموك في الأدب والنقد عام 2012، وموضوع هذه الأطروحة موضوع عميقٌ ويحتاجُ لروَّيةٍ في البحث والاستقصاء خصوصاً أن الترجمات من الشعر العبري المعاصر إلى العربية كان وما زال محدوداً ولغاياتٍ أكاديميةٍ في معظمها.
وقبل الحديث عن تفاصيل ومقولات البحث لا بدَّ من التوقُّف عند بعض الملاحظات التأسيسية:
أوَّلاً: كان ذا معنى عميقٍ اختيارُ الباحثة للخطاب الشِّعري المقارن بين العربية والعبرية كأداةٍ لدراسة تشكُّل وصراعِ الهوية والذات، الصراع الذي ما زال دموياً بين الذات والهوية العربية المُغتصَبة وبين الذات الصهيونية الوافدة والمسلَّحة، فالشِّعر يُمثِّلُ أعلى الفنون الكتابية والسردية صدقاً وقُرباً من الأنا الجمعية العليا وتمثُّلاتها للشعوب والجماعات لذلكَ ستكون دراسةُ تمظهراتِ هذا الصراع وتحوُّلاته بين الذاتين والهويَّتينِ أكثرَ عمقاً وأقربَ إلى الحقيقة والعدالة بعيداً عن السياسة والقوَّة والأيدلوجيات المتناحرة.
ثانياً: تشير الباحثة بلفتةٍ عميقةٍ لمفارقتين متناظرتين وتتبادلان المواقع، فالذات اليهودية (الإسرائيلية الصهيونية) ذاتٌ تشكَّلتْ داخلَ شرنقةٍ (جيتو) سرديَّةٍ تراثيَّةٍ توراتيَّةٍ تتماهي وتختلط وتتغذَّى من بيئةٍ الخطاب الامبريالي الاستيطاني الغربي وتستخدم أدواتِه المتطوِّرة في تشكيلِ نسقٍ سرديٍّ متماسك نظرياً، ولكن هذه الذات السردية شكَّلتْ ذاتَها داخل جغرافيا توراتية بعيدةٍ وغريبة عن بيئتها الحاضنة والتاريخية التي ولَّدت هذا الخطاب السردي التوراتي في المجتمعات والثقافة الغربية، أي أنها ذاتٌ سرديَّةٌ متماسكةٌ بلا مكان جغرافيٍّ وتاريخيٍّ، وفي المفارقة المقابلة تتشكَّل الذات العربية الفلسطينية في مكانٍ جغرافيٍّ وتاريخيٍّ واضحٍ ومحدَّدٍ ومُسمَّى ويحمل لونها وصوتها ولغتها، ولكنها ذاتٌ متقطِّعةُ الوجود السردي ويتناوبها خطاباتٌ سرديَّةٌ تراثيَّةٌ متناقضةٌ ومتناحرةٌ ، أي أنَّنا أمام ذاتٍ لها مكانٌ متماسكٌ وحقيقيٌّ ولكنها بهويَةٍ سرديَّةٍ مرتبكةٍ ومُحاربةٍ وغيرِ متماسكة وغيرِ مؤطَّرةٍ في عالمٍ تسيطرُ عليه ثقافةٌ غربيةٌ شرسة.
إذن نحن أمامَ ذاتينِ، إحداهما (اليهودية الإسرائيلية الصهيونية) سرديَّةٌ متماسكةٌ تشكَّلتْ في إطار الثورة المعرفية الغربية وأدواتها وخطابها المتعالي، والثانية (العربية الفلسطينية) ذاتٌ مكانيةٌ فاقدةٌ لإطارٍ سرديٍّ معرفيٍّ يمتلكُ خطاباً متماسكاً وقادراً على الحضور الفعلي.
وحيث أن الخطاب السردي الغربي التوراتي يُمثِّل الحضارة التي تولَّد فيها معرفياً لذلك كان لا بدَّ له في صراعه مع الآخر من استخدام أدواتِ هذا الخطاب الغربي المتعالي الذي كانت أداته الأفضل والأكثر استخداماً هي القوَّة والإبادة الجسدية والثقافية.
نحن إذن أمامَ ذاتٍ سرديةٍ بلا مكان تمتلكُ القوَّة المادية والمعرفية في مقابل ذاتٍ مكانيةٍ ضعيفةٍ بلا سردٍ وبلا قوَّة، كيف سيكون الصراعُ بينهما ؟.
لم يتورَّع الغرب والصهيونية الحاضنة للسردية التوراتية عن استخدام القوَّة المتاحة لهما ليقومَا معاً بضمِّ طرفي المعادلة والتي سُمِّيتْ تمويها في الخطاب الاستيطاني الصهيوني (« أرضٌ مكانٌ « بلا «شعب بلا سرد «، « لشعبٍ سردٍ « بلا « أرضٍ مكان «).
ثالثاً: من هنا يمكننا فهم الجدال العميق الذي دار وما زال يدور حول الاتِّكاء في الشِّعر العربي على الموروث التوراتي وخصوصاً اتِّكاءات محمود درويش العميقة على نشيد الإنشاد وسِفر الجامعة وحبقوق والمزامير إلى آخر المدوَّنةِ السردية التوراتية، فالمهاجمون لهذا الاتكاء يعون بعمقٍ أن الصراع الحقيقي هو بين هذه المدوَّنةِ السردية المتماسكة وبين المكان الفلسطيني الذي تريد هذه المدوَّنةُ أن تُجسِّدَ ذاتها تاريخياً كسرديةٍ متماسكةٍ في مكانٍ لا سردَ له (حسب ادعائِها وعملها أيضاً على تفريغ وتدمير المدوَّنة السردية العربية الفلسطينية المرتبطة بالمكان ارتباطَ وجودٍ عيانيٍّ مُشخَّص ومتواصل)، وفي هذا الرفض وعيٌّ عميقٌ على أن الاتِّكاء على هذه المدوَّنةِ السردية اليهودية الصهيونية يُمثِّلُ استسلاماً أمامَ هذه المدوَّنةِ وسردِها، ويُمثِّلُ أيضاً استسلامَ المكان الفلسطيني العياني لسطوةِ السرد التوراتي المُسلَّح والغريب عن هذه الأرض.
كيف قرأت الدكتورة نهال مهيدات هذا الصراع (السرد مقابل المكان) في تجلياتهِ في الشِّعر العربي والعبري المعاصرين؟
هذا ما يحاول هذا الكتاب قراءته بوعيٍّ ومهنيَّةٍ وانتماءٍ أيضاً للمكان الفلسطيني (للقدس الحقيقية في مقابل أورشليم التوراتية) وعبرَ المرتكزات التالية:
* في التمهيد الطويل قراءةٌ مقارنة لحضور القدس في الشعر العربي وحضور أورشليم في الشعر العبري، قرأت الباحثة ذلك عبر كتاب « بيت المقدس في شعر الحروب الصليبية « للباحث عبد الجليل حسن عبد المهدي الذي وثَّق توثيقاً منهجياً لحضور القدس في قصائد الشعراء المعاصرين للحروب الصليبية، كذلك قرأت هذا الحضور للقدس من خلال كتاب الباحث عبد الله خبَّاص « القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن « وخلصت إلى أن القدس حاضرةٌ حضوراً طاغياً زمانياً ومكانياً ووعياً ومرجعيةً في الشعر العربي.
وقرأت بالمقابل حضور أورشليم في الشعر العبري عبر كتاب « أورشليم في شعرنا الحديث من عصر التنوير حتى يومنا « لشالوم بن باروخ والصادر عام 1955، حيث أشارت الباحثة إلى تناقضات الباحث ومحاولته إيجاد تراثٍ شعريٍّ أورشليميٍّ في فتراتٍ مبكِّرةٍ للشعراء اليهود، بل وذهبت أبعد من ذلك إلى الحديث عن عدم توثيق مصادر هذا الكتاب مما يوحي بإمكانية نحل وانتحال بعض القصائد لغاياتٍ سياسية وأيدلوجية.
* في الصراع على الأرض هناك وضوحٌ في طرح الباحثة المتعلق بتحالف الحركة الصهيونية مع الامبريالية الانجليزية والفرنسية للعمل على نقل المتخيَّل السردي التوراتي بالقوَّة لمكانه الذي تدَّعيه السردية التوراتية في فلسطين، هذا التحالف العميق الذي بدونه لا يُمكن للصهيونية القيام بهذا العمل العنيف تاريخياً والمتمثِّل بزرع سرديةٍ ميثولوجيةٍ ميِّتةٍ وإنباتها بالقوَّة في أرض التاريخ والمكان الفلسطيني.
* كيف تجادلتْ الذاتُ السردية التوراتية مع الذات السياسية الإسرائيلية الصهيونية في المكان الفلسطيني، ربَّما كان هذا السؤال جوهراً دارت حوله الباحثة بذكاءٍ ووعيٍّ عميقين، نقرأ ذلكَ في المقاطع التي ساقتها الباحثة للشاعر «يهودا عميحاي» ومنها:
« في يوم الغفران عام 1967 لبستُ
ثوباً غامقاً وزرتُ المدينةَ العتيقةَ في أورشليم
وقفتُ طويلاً أمامَ قبوِ حانوتٍ لعربيٍّ
ليس بعيداً عن بوابةِ نابلس
حانوتِ أزرارٍ، أزمَّةٍ، لفيفاتِ خيطانٍ من كلِّ لونٍ، قبَّعاتٍ، وحِليٍّ.
ضوءٌ خافتٌ وألوانٌ غزيرةٌ، صندوقٌ مقدَّسٌ مفتوحٌ
همستُ له في سرِّي:
ولأبي كان حانوتٌ مثلهُ للخيطان والأزرارِ
ناجيتهُ في سرِّي عن مرارةِ السنين
والنوائب والحوادثِ التي صيَّرتني هنا،
عن حانوتِ أبي التي أُحرقتْ هناك، وهو فيها مدفون.» ص 52.
نقرأ هنا ذاتاً منفصمةً ترى الآخر صاحب المكان الحقيقي وتغبطه على مكانه وتتذكَّرُ أنَّ لها مكاناً شبيهاً بعيداً، وكأن الشاعر بهذا يُخفي قراءةً سريِّةً مسكوتٍ عنها في النصِّ وتتعلَّق بالإحلال والاحتلال الذي تمَّ فعلاً في الممارسة الصهيونية على الأرض الفلسطينية.
كذلكَ كان أحد دواويين يهودا عميحاي يحمل اسماً لافتاً « المكان الذي لم أكن فيه « مما يدلُّ على عمق التناقض في الذات الشعرية اليهودية وإحساسها بذنبٍ غلَّفته وزيَّفته باستعادة صورة الهولوكوست وما سبقه من رفضٍ غريبٍ للوجود اليهودي من المجتمعات الغربية، نقرأ أيضاً من قصيدةٍ ليهودا عميحاي:
«أربعُ سنينٍ أمضى أبي في محاربتهم
ولم يُبغضْ خصومهُ ولم يُحب
لكني أعلمُ أنه أوجدني يوماً تلوَ الآخرِ من طمأنينتهِ المؤقَّتة
التقَطَها من بين القنابلِ والدخانِ
ودسَّها في جيبهِ المُمزَّقِ
مع بقايا أحاديثهِ المُغمغمة.
وفي عينيهِ حشدَ أمواتاً بلا أسماءٍ
أمواتاً كُثُراً حشدَ لأجلي
لأتعرَّفَ من ناظريهِ عليهم وأحبُّهم
ولا أموتُ بذعرٍ مثلَهم
ملأَ ناظريهِ بهم وخُدعَ:
لكلِّ معاركي أتصدَّى أنا « ص 55
واضحٌ هنا عمقُ تشظِّي الذات ورفضها لهذا الحشد من الأموات الذي عليه أن يُحييهم ويحبَّهم.
في المقابلِ أيضاً نجدُ خطاباً سردياً (شعرياً) متماهياً مع الذات السردية التوراتية كما في سرد حاييم غوري والمقطع الذي تورده الباحثة من كتاب حاييم غوري «حتى بزوغ الفجر «:
« قبلنا بالعرب بوصفهم ينتمون إلى الأرض، التي هي فلذةُ أكبادنا، كمن يحفظُ لنا مشاهدَ التوراةِ، لكن ليس ككيانٍ قوميٍّ وسياسيٍّ يزعجنا بمطالبهِ، أو كنِدٍّ يُطالبُ بأحقيَّتهِ في المُلك»، وليس هناكُ تناقضٌ بين سردية حاييم غوري وقصيدته والنموذج الذي ساقته الباحثة من قصيدة حاييم غوري التي يوازي فيها بين اليهودي التوراتي التائه وبين أوديسيوس.
نموذج الشاعرة الإسرائيلية أجي مشعول أيضاً يتماهى مع المشروع الصهيوني وينتقده ثقافياً من داخله _ هل ينجحُ إنبات السرد التوراتي في أرض كنعان؟ - حيثُ نقرأ لأجي مشعول:
«الموضةُ القديمةُ ذاتها
يجردونكَ من اسمكَ الشخصيِّ
وغصباً عنكَ
حوضٌ، قسيمةُ صَفٍّ تُعطيكَ عنواناً آخرَ
وأرى كيفَ يُشتِّلونَكَ
في بستانِ الموتى الكبير
وما من مطرٍ
حتى أكثرهُ رياءً
سيُنبتَكَ ثانيةً
أبدا «
الأطروحةُ العربيةُ الفلسطينية الضدُّ لهذه الأطروحة الإسرائيلية تمثَّلت في: شعر المقاومة من محمود درويش وأحمد دحبور وأمل دنقل وغيرهم من الشعراء العرب، وكذلك في المقاومة الشعبية ضدَّ مسح وتدمير مكوِّنات الذات، وكذلك في الحداثة الثقافية العربية التي نقلت المسألة والصراع إلى مدارٍ أعمق يتمثَّلُ في أن الصراع هو بين الذات الثقافية والحضارية العربية المهشَّمة والمهمَّشة والمأزومة في تكوينها الثقافي والحضاري والضعيفة في قدرتها على صدِّ الهجمة الثقافية المسلَّحة للغرب والصهيونية بالأدوات التقليدية التي تتبناها الأنظمة والأحزاب التقليدية التي تسعى لقيادة المجتمع العربي، ومثَّل هذا الاتجاه وخصوصاً بعد هزيمة 1967 مدرسة الحداثة الشعرية العربية والحداثة الفكرية العربية ممثلةً بأدونيس وجلال صادق العظم وعبد الله العروي وادوارد سعيد وهشام شرابي.. الخ، ثُمَّ في الحركة السياسية المعبِّرة عن الذات الفلسطينية حركة فتح ومن ثمَّ منظمة التحرير الفلسطينية واللتين تعرضَّتا أيضاً لهجمةٍ مُمنهجةٍ لتدمير بنيتهما وإدخالهما في نسق السرد التوراتي الامبريالي.
السؤال الكبير الذي يبرز هنا وحاولت الدراسة أن تُجيب عليه: هل عمل الشاعر الإسرائيلي على تكريس سرقة المكان الفلسطيني كبديلٍ للمكان السردي التوراتي؟ وهل دافعَ عن هذا الإحلال والاحتلال الذي قام به هذا السردُ المُسلَّحُ للمكان الفلسطيني المليءِ بالآخر الفلسطيني؟.
ما أشرتُ إليه أعلاه شكَّل الإطار النظري والفكري وبدرجةٍ ما السياسي الذي حاولت الباحثة قوله في كتابها القيِّم هذا.
في الفقرات التالية سأقرأ سريعاً فصول الكتاب الثلاثة قراءةً سريعةً منقِّباً عن إجابة للسؤال الذي أثرته سابقاً حول تماهي أو تناقض خطاب الشِّعر العبري مع المشروع الصهيوني الامبريالي؟ وكما يلي:
الفصل الأول: الذات العربية والذات اليهودية الإسرائيلية إشكالات ومرجعيات
في هذا الفصل التطبيقي على المقولات التأسيسية للبحث تبين الباحثة مرجعيات تشكُّل الذات اليهودية ضمن حاضنة الخطاب الإستشراقي من خلال مرجعياته السياسية والفكرية المتكوِّنة في فضاء الخطاب الاستيطاني الغربي المسلَّح، وتورد الباحثة كنماذج على هذا الخطاب الشعري الخاضع لسلطة النص التوراتي الاستشراقي قصيدة ناعومي شيمر « أورشليم من ذهب « وقصيدة حاييم غوري « أورشليم من حجارةٍ ثقيلة «.
في المقابل تشكَّلت الذات العربية الساذجة والمغدورة والتي تمَّ تحويلُها إلى موضوعٍ بحثيٍّ على طاولة التشريح للخطاب الاستشراقي الصهيوني ضمن ظروفٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ ومعرفيةٍ متخلَّفةٍ وكان تشكُّلُها ردَّ فعلٍ على هذا الخطاب الاستيطاني، هذه الذات المجروحة حاولت مواجهة هذا الخطاب لإثبات ذاتها وحضورها سردياً ومكانياً فتشكَّلت ثقافة المقاومة في هذا الأتون الهائل الذي كان موضوعه الأساس السيطرة على المكان ومسح واجتثاثُ ثقافته ولغته وأسمائه وأساطيرهُ.. الخ، هذه المقاومة شكَّلت فعلاً حقيقياً (ثقافياً وسياسياً وعسكرياً) وليسَ ردَّ فعلٍ مما أقلقَ الخطاب الصهيوني الاستشراقي وهدَّد مكوِّناته، وهذا ما يُفسِّرُ العنفَ الدمويَّ الهمجيَّ غيرَ المسبوقِ تاريخياً في اجتثاثِ وتصفية هذه المقاومة.
تورد الباحثة نماذج للشعر العربي المقاوم بخطابه الإنساني العميق والمُصرِّ على حقِّهِ واستعداده للموت والشهادة في سبيل هذا الحق وهذه الأرض، أوردت الباحثة نموذجاً لشعر وثقافة المقاومة للشاعرة الفلسطينية ليلى علوش ونموذجاً للشاعر السوداني محمد الفيتوري.
الفصل الثاني: القدس – أورشليم: صراع الهوية المكان
يتحرَّك هذا الفصل ضمن مقولات البحث التأسيسية والمتعلِّقة بتناقض السرد المتخيَّل التوراتي لأورشليم مع الواقع التاريخي للقدس المليء بالتاريخ والحضارة والسرد والناس، نقرأ ذلك من خلال قصيدة عميحاي «أورشليم ملآى يهوداً «:
« أورشليم ملآى يهوداً مُتعَبين
وهم مجلودون من الحاضرِ دوماً إلى الذكرى والعيدِ
كدُبَبَةٍ تثبُ بأرجلٍ موجوعةٍ « ص 116
كذلك نقرأ ذلك بوضوح أكبر في قصيدة ناعومي شيمر « أورشليم من ذهب»:
« كيفَ نضبتِ آبارُ الماءِ في المدينةِ العتيقةِ
وخربتِ الأسواق
ما من واعظٍ في جبلِ الهيكل
وفي الكهوفِ عويلُ الريحِ
مهجورةٌ طريقُ البحرِ الميت
وطريقُ أريحا
أورشليم من ذهبٍ ومن نحاسٍ ومن نورٍ
لأنشودتِكِ أنا قيثارة « ص 102
النصُّ المقاوم العربي كان مليئاً بالمكان والجغرافيا والناس والأحداث والسرد والحبِّ والبطولة كأنه ردٌّ عميقٌ على خواء السرد التوراتي الفارغ المُتعالي والمسلَّح بالقوَّة الاستيطانية الامبريالية نماذج قصائد محمود درويش وسميح القاسم وليلى علوش وغيرهم.
تخلصُ الباحثة في هذا الفصل إلى مقولةٍ تحتاج لإثباتٍ فعليٍّ، فهي تقول:
« فعلى الرغم من مفارقات القوَّةِ واختلافها بين الطرفين ينبغي على اليهودي الإسرائيلي ويتحتم عليه مفاوضته – العربي الفلسطيني – وليس محوَه، وتلكَ ثيمةٌ رئيسةٌ في الخطاب الشِّعري العبري الحديث (1967 – 2010) « ص 161.
الفصل الثالث: تفارق تجاذب: المرجعية في النصِّ الشِّعري العربي والعبري الحديث.
في هذا الفصل قراءاتٌ مقارنةٌ بين الخطاب الشعري العربي والعبري وخصوصاً بين محمود درويش – يهودا عميحاي، حيث تناولت الباحثة مفرداتٍ معيَّنةً وكيف تمَّ استخدامها شعرياً وما هي مرجعيات كلٍّ من الخطابين حيث تخلص الباحثة إلى حقيقةٍ تتعلَّق بالمرجعية التوراتية الإستشراقية للخطاب الإسرائيلي الشِّعري مع بروز تحوُّلات في هذا الخطاب نتيجةً للجدل بين المرجعية السردية التخييلية التوراتية وبين الواقع التاريخي الفعلي والمقاومة العربية الحقيقية والأصيلة التي فرضت إيقاعها على قصائد عميحاي وأجي مشعول وغيرهم من الشعراء الإسرائيليين، ونلاحظ هنا التشظِّي والعلاقة المرتبكة بين الشاعر العبري وبين أورشليم التي يحسُّ نفسه غريباً عنها وأنها لا تستجيبُ له كما تجلَّى في قصائد يهودا عميحاي وآجي مشعول.
في المقابل بقيَ الخطاب الشعري العربي متماسكاً وحضارياً ومؤكِّداً على حضوره التاريخي المتعاقب والعياني والسردي وأنه لم يكن حارساً ولا دخيلاً وأن القدس حبيبتهُ (كما في قصائد محمود درويش) وأمُّه التي تحبُّه والتي يقدِّم حياته لبقائها.
أيضاً كان هناك اعترافٌ مريرٌ بأن الواقع المكاني للقدس يتحوَّل بالقوَّة لمكانٍ توراتيٍّ وأن مخططات استنبات السرد التوراتي في رحم المكان الفلسطيني ينجحُ وها هي القدس تفقدُ شخصيتها العربية لتتشكَّل مكانها أورشليم التوراتية، وكنموذج على ذلك تورد الباحثة قصيدةً لتميم البرغوثي نقرا منها:
« في القدسِ بائعُ خُضرةٍ من جورجيا
يُفكِّرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في طلاء البيت
في القدسِ توراةٌ وكهلٌ جاء من منهاتن العليا
يُفقِّهُ فِتيةَ البولون في أحكامها
في القدسِ شُرطيٌّ من الأحباشِ يُغلقُ شارعاً في السوقِ
رشَّاشٌ على ظهرِ مستوطِنٍ لم يبلغ العشرينَ
قُبَّعةٌ تُحيي حائطَ المبكى
وسيَّاحٌ من الإفرنجِ شُقرٌ لا يرونَ القدس إطلاقاً.. الخ « ص 198.
هذا الكتاب بحثٌ قيِّمٌ وعميقٌ وجديدٌ في موضوعه وضروريٌّ لنا لنفهم الآخرَ بثقافته ومرجعياته وقوَّته وضعفهِ بشِعره وسردهِ وأيدلوجيته وصراعاته الداخلية والخارجية، هذا الكتاب عرَّفنا على جانبٍ مهمٍ من ثقافة عدوِّنا السياسي والعسكري والإقصائي المتحالف مع قوى الرأسمال الغربي والمتسلِّحِ بسلاحها الثقافي والمالي والتقني والعسكري، والذي علينا أن نفهم ونهضم ثقافته لنستطيعَ مواجهتها والتغلُّبَ على إقصائيتها الاستيطانية البشعة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
23-01-2026 06:55 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||