22-01-2026 08:32 AM
بقلم : أ. د. ليث كمال نصراوين
التقى جلالة الملك قبل أيام برئيس وأعضاء المكتب الدائم لمجلس النواب، وهو اجتماع سبقه لقاء مماثل مع رئيس وأعضاء المكتب الدائم لمجلس الأعيان، حيث عُقد اللقاءان بصورة منفصلة وفي توقيتين مختلفين وبموضوعات متمايزة، الأمر الذي لا يمكن قراءته بوصفه إجراء بروتوكوليا أو تفصيلا شكليا، بل يحمل دلالات دستورية وسياسية عميقة تتصل بطبيعة النظام النيابي الأردني وموقع كل من مجلسي الأعيان والنواب ضمن بنية السلطة التشريعية.
فإذا كانت العلاقة الدستورية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تقوم على أساس الفصل المرن القائم على التعاون والتوازن، فإن داخل السلطة التشريعية ذاتها هناك نوع من الاستقلالية النسبية بين مجلسي الأعيان والنواب، تقوم على احترام الخصوصية الدستورية لكل مجلس من حيث تشكيله، وآلية اختيار أعضائه، والوظائف الدستورية الملقاة على عاتقه.
فالمشرّع الدستوري، وإن جمع المجلسين تحت مظلة مجلس الأمة، إلا أنه ميّز بينهما بوضوح من حيث التكوين والدور، وحدد الحالات التي يجتمعان فيها على سبيل الحصر، أهمها افتتاح الدورة العادية وإلقاء خطبة العرش، أو عند حل الخلاف التشريعي بينهما. أما في غير ذلك، فإن الفصل بين المجلسين، بما في ذلك اللقاءات الملكية وجلسات العمل، يُعد التزاما بروح الدستور وضمانة لاستقلال كل غرفة واحترام لطبيعة دورها.
وفي هذا الإطار، جاء لقاء جلالة الملك بالمكتب الدائم لمجلس الأعيان منسجما مع طبيعة هذا المجلس وتركيبة أعضائه، الذين اشترط الدستور فيهم الخبرة السياسية والتجربة الطويلة في إدارة الشأن العام. فقد تناول اللقاء أبرز مستجدات الإقليم والقضايا السياسية والدولية، ولا سيما الأوضاع في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. وهي موضوعات ذات طابع استراتيجي عام، تتطلب قراءة هادئة وتقديرا معمقا للمخاطر والفرص، وهو ما يعكس الدور الطبيعي لمجلس الأعيان بوصفه مجلس حكماء، يشكّل عنصر توازن واستقرار في النظام النيابي الأردني.
في المقابل، جاء لقاء جلالة الملك مع المكتب الدائم لمجلس النواب محمّلا بدلالات مختلفة، بحكم أن مجلس النواب هو مجلس الشعب، المكوَّن من ممثلين منتخبين يعكسون الإرادة الشعبية المباشرة، ويتعاملون يوميا مع توقعات المواطنين وضغوط الواقع المعيشي والسياسي. فقد أكد جلالته، وبشكل رئيسي، أهمية مواصلة العمل على تطوير آليات العمل الحزبي بما يخدم المصلحة العامة ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة البرلمانية، إلى جانب ضرورة استمرار التنسيق بين مجلس النواب والحكومة حول الأولويات الوطنية في المرحلة المقبلة.
إن هذا التباين في مضامين اللقاءين يعكس إدراكا دستوريا عميقا لطبيعة كل مجلس وحدود دوره؛ فجلالة الملك يخاطب مجلس الأعيان بمنطق الرؤية الاستراتيجية والخبرة التراكمية في القضايا السيادية والإقليمية، بينما يتحدث إلى مجلس النواب بمنطق المسؤولية السياسية المباشرة عن تطوير الأداء البرلماني، وتعزيز الحياة الحزبية، وتحسين أدوات العمل التشريعي والرقابي. وهو تباين لا يعني تفضيل مجلس على آخر، بقدر ما يؤكد التكامل الوظيفي بينهما وفق الغاية الدستورية من إنشاء كل منهما، ضمن منظومة تشريعية واحدة.
ولا تقتصر أهمية هذه اللقاءات على مضمونها، بل تمتد إلى ما سترتب عليها من مسؤوليات عملية على عاتق كلا المجلسين في السلطة التشريعية. فمجلس الأعيان، بحكم تركيبته ودوره، مدعو إلى أن يكون أكثر فاعلية في دعم الموقف الوطني سياسيا ودبلوماسيا، ونقل صورة الدولة الأردنية ومواقفها الثابتة في مختلف المحافل، الداخلية والخارجية، وأن يواصل أداء دوره كصمام أمان واستقرار، سواء من خلال تقديم الرأي والمشورة أو عبر الإسهام في صياغة مقاربات متوازنة للتحديات الإقليمية المعقدة.
أمّا مجلس النواب، فإن الرسالة الملكية إليه جاءت أكثر مباشرة وحسما، إذ لم تعد المسألة تتعلق بمجرد ممارسة الوظيفة التشريعية أو الرقابية بالشكل التقليدي، بل بمدى قدرة المجلس على التحوّل إلى مؤسسة سياسية فاعلة تقود الحياة الحزبية داخل البرلمان، وتترجم مخرجات مشروع التحديث السياسي إلى ممارسة يومية ملموسة. فوجود نواب حزبيين تحت القبة، حتى اليوم، لم ينعكس بالقدر المأمول على طبيعة الأداء النيابي، إذ لا بد من العمل على مأسسة العمل البرلماني من خلال أداء جماعي منظّم، قائم على البرامج والكتل، سواء أثناء جلسات المجلس أو في نقاشاته ولجانه النيابية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى الإسراع في تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب، بما يعزز العمل الكتلوي داخل المجلس ولجانه، ويجعل التفرد في الأداءهو الاستثناء. فالتحديث السياسي لا يُقاس بعدد النصوص والتشريعات التي أُقرت، بل بمدى قدرتها على تغيير الثقافة البرلمانية وأسلوب العمل النيابي، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه المجلس المنتخب في هذه المرحلة الزمنية.
في المحصلة، فإن عقد لقاءين ملكيين منفصلين مع المكتب الدائم لمجلس الأعيان ثم مع المكتب الدائم لمجلس النواب يشكل رسالة دستورية واضحة مفادها أن الإصلاح السياسي يبدأ من احترام الأدوار، وتعزيز استقلال المؤسسات، وتقويتها في مواقعها الطبيعية. وهو تعبير عن ثقة ملكية بالمجلسين، وعن رهان واضح على مجلس النواب بوصفه أحد أعمدة المرحلة الأولى من التحديث السياسي، في إطار مسار إصلاحي يحظى بضمانة ملكية، تكفل استمراريته وتراكمه خلال السنوات القادمة وعند إجراء الانتخابات النيابية القادمة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
22-01-2026 08:32 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||