19-01-2026 10:59 AM
بقلم : الصيدلي عدوان قشمر نوفل
في الأيام الأخيرة، بدت المؤشرات العسكرية في المنطقة وكأنها تسير باتجاه تصعيد واسع: تسريع إنتاج صواريخ اعتراض، تعزيز سلاح الجو بطائرات شبح متطورة، رفع الجاهزية الدفاعية والهجومية، وحشد أميركي غير مسبوق في الخليج.
لكن خلف هذا المشهد الصاخب، تكشف الصحافة الإسرائيلية عن مفارقة لافتة: الاستعداد للحرب في ذروته، بينما القرار السياسي بالهجوم لا يزال مؤجَّلًا.
هذا التناقض لا يعكس تردّدًا عسكريًا، بل حسابًا استراتيجيًا أعمق يتجاوز عدد الطائرات والصواريخ، ويتعلق بالسؤال الجوهري:
> هل يمكن لضربة عسكرية، مهما كانت قاسية، أن تُسقط النظام الإيراني؟
أولًا: تعزيز القوة الجوية… رسالة تتجاوز الردع.
استيعاب ثلاث طائرات F-35i “أدير” جديدة في قاعدة نفاتيم، وارتفاع عددها إلى 48 طائرة، ليس حدثًا تقنيًا عابرًا.
هذه الطائرات تمثل عمود القدرة الهجومية بعيدة المدى، القادرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وتنفيذ ضربات دقيقة في عمق أراضي الخصم.
لكن اللافت أن توقيت الإعلان عن وصولها جاء في ذروة الحديث عن إيران.
الرسالة هنا مزدوجة:
خارجيًا: إسرائيل تمتلك القدرة على الوصول لأي هدف، وفي أي وقت.
داخليًا: الجيش يواصل تعزيز تفوقه بغضّ النظر عن القرار السياسي.
بعبارة أخرى، المؤسسة العسكرية تقول: نحن جاهزون، بينما تترك للمستوى السياسي تحديد إن كان الهجوم مجديًا.
ثانيًا: صواريخ “حيتس” ليست المشكلة
على عكس الانطباع السائد، لا ترى إسرائيل أن العائق أمام الحرب هو نقص صواريخ الاعتراض أو الخشية من انهيار منظومات الدفاع الجوي.
تجربة المواجهة الأخيرة أظهرت قدرة غير مسبوقة على إدارة دفاع جوي متعدد الطبقات تحت ضغط هائل، مع دمج أنظمة محلية ودولية.
بل إن الجيش توصّل إلى استنتاج معاكس:
يمكن إدارة جولة قادمة بمزيد من الكفاءة
استخدام أقل عدد من الصواريخ الاعتراضية
مع تحسين كبير في القدرات الهجومية
لذلك، فإن تسريع إنتاج “حيتس” لا يعكس حالة ذعر، بل استعدادًا طويل الأمد لصراع قد لا يكون قصيرًا.
ثالثًا: جوهر الاعتراض الإسرائيلي على الضربة
وفق ما تكشفه الصحافة العبرية، فإن الاعتراض الإسرائيلي الحقيقي على تنفيذ ضربة عسكرية واسعة ضد إيران لا ينبع من الخوف، بل من عدم القناعة بالنتيجة.
المنطق الإسرائيلي بسيط وواضح:
إذا كانت الضربة تُسقط النظام الإيراني → الثمن مقبول
إذا كانت الضربة تُحدث دمارًا دون تغيير سلطوي → فهي مغامرة بلا أفق
الخطة التي كانت مطروحة مؤخرًا، بحسب التقديرات الإسرائيلية، كانت قادرة على:
ضرب منشآت عسكرية
إلحاق أضرار بالبنية التحتية
زعزعة الاستقرار مؤقتًا
لكنها لا تُنتج حسمًا سياسيًا، ولا تضمن نهاية النظام في طهران.
وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين ضربة عسكرية واستراتيجية إسقاط نظام.
رابعًا: واشنطن تغيّر قواعد اللعبة.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة توصّلت إلى الاستنتاج نفسه، لكنها قررت تغيير المقاربة بدل التراجع.
فبدل الاكتفاء بالاستعداد العسكري، تعمل واشنطن على مسار موازٍ أكثر تعقيدًا:
البحث عن نقاط الانكسار الداخلية في إيران.
هذا يشمل:
الضغوط الاقتصادية
التصدعات الاجتماعية
التوترات القومية والعرقية
أزمة الشرعية السياسية
الفكرة الأساسية هي أن الضربة العسكرية وحدها لا تكفي، لكنها قد تكون فعّالة إذا جاءت ضمن سياق:
> إنهاك داخلي + ضغط خارجي + بديل سياسي جاهز
ومن هنا يبرز الحديث عن البحث عن بديل سلطوي، لأن إسقاط نظام دون تصور لما بعده قد يكون أخطر من بقاء النظام نفسه
خامسًا: إسرائيل بين الجاهزية والانتظار
في إسرائيل، لا يعني تأجيل الضربة تخفيف الاستعداد.
على العكس، كل يوم يمر يُستثمر في:
تحسين الخطط الدفاعية
توسيع بنك الأهداف
تقليص زمن القرار والتنفيذ
رفع جاهزية سلاح الجو والاستخبارات والسيبر
الرسالة الإسرائيلية واضحة:
إذا فُتح الباب السياسي، فإن الجيش جاهز للعبور فورًا.
لكن القرار النهائي لا يُبنى فقط على القدرة، بل على السؤال الأخطر:
> ماذا بعد الضربة؟
خلاصة: الحرب ليست قرارًا تقنيًا
ما تكشفه الصحافة الإسرائيلية بوضوح هو أن إسرائيل لا تخشى الحرب مع إيران، لكنها تخشى حربًا بلا نتيجة سياسية.
فالتفوق العسكري موجود، والقدرة على إلحاق الضرر مؤكدة، لكن إسقاط نظام راسخ لا يتم بالصواريخ وحدها.
من هنا، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة:
تصعيد في الاستعداد
تريّث في القرار
وبحث محموم عن لحظة يكون فيها الهجوم حاسمًا لا استعراضيًا
إيران اليوم ليست فقط هدفًا عسكريًا، بل معادلة سياسية إقليمية، وأي خطأ في الحساب قد يفتح حربًا طويلة… بلا نهاية واضحة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
19-01-2026 10:59 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||