19-01-2026 09:13 AM
بقلم : جهاد المنسي
يتكرر بين فينة وأخرى توقعات عن إمكانية حلّ مجلس النواب العشرين، وأحيانا يبدأ الحديث عن الحل في بدايات عمر المجلس، وغالبًا ما يُطرح هذا النقاش في سياقات انفعالية أو متسرعة، دون التوقف طويلًا عند الأبعاد الدستورية والسياسية لهذه المسألة. وفي تقديري، فإن هذا الجدل، خصوصًا حين يُثار قبل اكتمال نصف العمر الدستوري للمجلس، يستحق قراءة أكثر هدوءًا وموضوعية، تنطلق من مصلحة الدولة، لا من ردود فعل آنية أو تقييمات متعجلة.
ينصّ الدستور بوضوح على أن المدة الدستورية لمجلس النواب أربع سنوات شمسية، وهي مدة وُضعت لضمان قدر من الاستقرار التشريعي، وتمكين المجلس من أداء دوره في التشريع والرقابة على نحو فعّال.
من هنا، فإن الإكثار من الحديث عن الحل، بوصفه خيارًا دائمًا أو وشيكًا، لا يضيف كثيرًا إلى النقاش العام، وقد ينعكس سلبًا على صورة المؤسسة التشريعية، ويُضعف ثقة المواطنين بدورها وقدرتها على الإنجاز.
من هما وجب التذكير بأن قرار حلّ مجلس النواب هو صلاحية دستورية لجلالة الملك، تُمارس وفق تقدير وطني شامل للمصلحة العليا، وليس استجابة لضغط الرأي العام أو لحالة من عدم الرضا المؤقت، كما أن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه جلالة الملك يقوم، في جوهره، على مبدأ التدرّج والاستمرارية، وقد جاء انتخاب مجلس النواب الحالي بوصفه إحدى محطات هذا المسار، لا باعتباره تجربة مكتملة أو معزولة عن سياقها الإصلاحي العام.
لا يمكن إنكار أن أداء مجلس النواب لم يلبِّ جميع التوقعات، فهناك ملاحظات مشروعة تتعلق بفاعلية الدور التشريعي والرقابي، وبحضور بعض القضايا الوطنية الكبرى في أجندة المجلس، وبقدرة المجلس على مواكبة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطن، غير أن هذه الملاحظات، برأيي، ينبغي أن تُشكّل حافزًا لتحسين الأداء وتطوير التجربة، لا سببًا للانتقال مباشرة إلى خيار الحل، خصوصًا في ظل تجربة سياسية لا تزال في طور التشكّل والبناء.
ولذلك فإن كثرة الحديث عن الحل، قبل أن تتضح ملامح التجربة بشكل كامل، قد لا يخدم مسار التحديث السياسي الذي يقوم على التراكم والتعلّم من الأخطاء، فالإصلاح المؤسسي لا يتحقق في يوم وليلة، بل يحتاج إلى وقت، وبيئة مستقرة تسمح بتقييم الأداء بشكل موضوعي، ومحاسبة المقصرين ضمن الأطر الدستورية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الإحباط العام.
وفي الوقت نفسه، فإن على أعضاء مجلس النواب مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة، فالمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن بقاء المجلس، بل الارتقاء بالأداء النيابي إلى مستوى الطموح الشعبي، من خلال عمل تشريعي جاد، ورقابة فاعلة، وخطاب مسؤول يعكس حجم التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها الأردن، فالمواطن لا ينتظر شعارات، بل ينتظر حلولًا، ولا يطالب بالكمال، بل بأداء يشعره بأن صوته كان في مكانه الصحيح.
كما أن بعض الممارسات الفردية أو الخطابات غير المحسوبة قد تسيء لصورة المجلس ككل، وهو ما يستدعي مراجعة ذاتية من داخل المؤسسة، وإدراكًا بأن قوة مجلس النواب لا تُقاس بعدد الأصوات المرتفعة، بل بجودة العمل، وعمق النقاش، وقدرته على التأثير في السياسات العامة.
في المحصلة، فإن الدفاع عن استقرار المؤسسة التشريعية لا يتعارض مع النقد الموضوعي لأدائها، بل إن الجمع بين الأمرين هو الطريق الأجدى لتعزيز مسار الإصلاح السياسي، وهذا ما ينسجم مع الرؤية الملكية التي تؤكد على الاستدامة، وتطوير التجربة الديمقراطية خطوةً خطوة، بحيث يكون مجلس النواب جزءًا من الحل، لا عبئًا على مسار التحديث، وقادرًا على الارتقاء إلى مستوى ما يطمح إليه الأردنيون.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
19-01-2026 09:13 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||