11-01-2026 02:50 PM
بقلم : د. سالم نايف الكركي
ما تشهده الكرك ليس حدثًا عابرًا ولا خطأ لحظيًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل هو ثمرة سنوات طويلة من الأخطاء المتراكمة أخطاء صنعتها إدارات متعاقبة وأشخاص تقلدوا مناصب في المحافظة دون أن يفهموا حجم المسؤولية، أو يدركوا قيمة التاريخ العميق الذي يمثلونه ما حدث اليوم لم يكن مفاجأة، بل كشف صارخ لما كان يُدار في الظل، ولم يُراعَ فيه إرث الكرك ولا كرامة أهلها.
الكرك مدينة ذات إرث تاريخي عميق، تتجلى عظمتها في صمود أهلها وثراء معالمها التاريخية والحضارية عبر القرون، كانت الكرك معقلًا للحكماء، ومركزًا للعلم والمعرفة، حاضنة للرجال الذين شكلوا ملامح التاريخ الأردني كل حصن، وكل شارع فيها، وكل معلم تاريخي، يحكي قصة كفاح وعطاء مستمر، ويؤكد عراقتها ودورها الريادي في تاريخ الأردن.
إن محاولة تحميل الظروف أو البحث عن أعذار مؤقتة لما يحدث، هي هروب من مواجهة الحقيقة، الحقيقة أن الإهمال تراكم على مدار سنوات، والقرارات غابت أو تأخرت، والتخطيط كان غائبًا أو شكليًا، حتى وصلت الكرك إلى مرحلة تتكرر فيها الأزمات بلا حلول جذرية، وبلا مساءلة فعلية، هذا الفشل لا يقع على كاهل المواطن، بل على من تولوا القرار وأداروا المحافظة بعقلية تقليدية ومنطق وصاية، بعيدًا عن المسؤولية الحقيقية تجاه المدينة وأهلها.
والغريب أن بعض من تقلّدوا المناصب في الكرك، فجأة، يتصرفون وكأن لهم تحكمًا مطلقًا على المدينة، وكأنهم وحدهم يملكون المعرفة والخبرة والسلطة. يتحدثون باسم الكرك، ويتخذون القرارات وكأن المحافظة ملك شخصي لهم، متجاهلين إرثها العميق وتطلعات أهلها، ومتغافلين عن أن المسؤولية الحقيقية لا تكمن في المنصب وحده، بل في خدمة الناس والحفاظ على تاريخ المدينة وكرامتها.
ولا يمكن الحديث عن الكرك دون الإشارة إلى شبابها، الذين يفتقرون اليوم إلى أبسط المقومات التي تمنحهم القوة والأمل، فرص عمل حقيقية، مشاريع تنموية، ومساحات دعم وتمكين. أصبح الشاب الكركي مضطرًا لمغادرة محافظته، متجهًا إلى العاصمة بحثًا عن رزقه ومستقبله، وكأن الكرك لم تعد قادرة على احتضان أبنائها مدينة تُفرّغ من شبابها ليست ضعيفة بطبيعتها، بل أُرهِقت بسبب سوء الإدارة وتراكم الإهمال على مدار السنوات.
ورغم الدعم المستمر والواضح من جلالة الملك لتطوير المحافظات وبناء دولة حديثة قائمة على العدالة والكفاءة، تبقى الفجوة بين الرؤية والتنفيذ واضحة. فالإرادة العليا تصطدم أحيانًا بإدارات محلية لم تواكب تطور الزمن، ولم تدرك أن التنمية ليست مجرد شعارات، وأن الكرامة والمسؤولية لا تُحفظان بالكلمات في المكاتب، بل تُصان بالعمل الجاد على أرض الواقع.
واليوم، تقع على عاتق أبناء الكرك مسؤولية الحفاظ على مكانة محافظتهم وإرثها العميق، الكرك لا تحتاج إلى شعارات أو كلمات متغنية باسمها، بل إلى إدارة فعّالة تركز على العمل الجاد وتقديم الخدمات الحقيقية لأهلها، بما يعكس قيمتها التاريخية والاجتماعية، بعيدًا عن التركيز على الأشخاص أو المناصب التي لا تعكس حجمها الحقيقي.
ما حدث في الكرك يُظهر بوضوح أن التنمية لا تتحقق إلا من خلال إدارة فعّالة، وأن الاستقرار يتطلب مساءلة حقيقية، وأن مستقبل شبابها يعتمد على عودة الاهتمام بالمحافظة وخدمة أهلها، الكرك أكبر من أي أخطاء فردية، وأعظم من أي مسؤول عابر، وأسمى من كل من ظن أن المنصب يمنحه سلطة مطلقة على مدينة تحمل إرثًا من الكرامة والتاريخ.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
11-01-2026 02:50 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||