حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,11 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5703

معابرة يكتب: الحضارة بين البقريَّات والعبقريَّات

معابرة يكتب: الحضارة بين البقريَّات والعبقريَّات

 معابرة يكتب: الحضارة بين البقريَّات والعبقريَّات

11-01-2026 09:23 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : ‏الكاتب الساخر وليد معابرة

- قاتل البحر الميت -  أَما قبل؛ فإِنَّ المتعمق في معظم الجوانب الاجتماعيَّة التي يعيشها أَبناء المجتمعات المغلقة؛ سيكتشف أنَّ تعريف الرجولة -من القدم إلى المعاصرة- ما زال يتأرجح بين "قرنيِّ ثور" لهما الفضل الأكبر في تحوير المفاهيم وتحويل معاني الرجولة من قيمة إنسانيَّة شامخة إلى نسخة حيوانيَّة بائسة! فالبعض ما زالوا يظنُّون أنَّ الرجولة عضلات تمشي على قدمين! لذلك؛ تجد أنَّ الذي "يصرخ في الشارع بلا ذوق؛ رجل)، و(الذي يضرب زوجته بمثل "السواك"؛ رجل)، و(الذي يُجعجع بشعارات كاذبة في المجالس العامة؛ رجل)، أما الذي يستخدم عقله فهو (متفلسفٌ أَحياناً) و(جبانٌ أَحياناً أخرى)، ولا أدري لماذا! ربَّما لأَنَّ المجتمعات المغلقة بشكل عام اكتسبت بعض سلوكيَّاتها من بيئة "إنسوحيوانيَّة" جاهلة! تعايشت معها ضمن ظروف صحراويَّة يقف فيها "التيس" شامخاً، وينطح "الثور" فيها بلا حساب، ويجر "الكديش" أحماله الثقيلة بكلِّ صمت.
إِنَّ مشكلة البيئة "الإِنسوحيوانيَّة" القديمة التي عايشتها شرائح كثيرة من المجتمعات المغلقة واكتسبت سلوكيَّاتها من التراث الدموي؛ تُعدُّ وسطاً مليئاً بالقواسم المشتركة المتوافرة عند المخلوقات الحيوانيَّة، مثل: (الثور، والتيس، والكديش)! فلو تصفحت برامج "عالم الحيوان" التي تعرضها قناة "ناشونال جيوغرافي" مثلاً؛ فإنَّك ستجد الحيوانات تتناطح، والعضلات تأخذ مجدها في التضخُّم، وستسمع الهدير الأَجوف يملأ الأَودية! عندها سيخطر ببالك ما يحدث في اللقاءات السياسيَّة أو الدينيَّة التي يتحاور فيها الضيفان على مسائل آيديولوجيَّة؛ لتجد أنَّ كلا المتحاورين يسعيان إلى تحقيق المثل الشعبي القائل: "ادفشني وشوف مجحشني"! وإذا حاولت التدخل بإيقاف بعض المهازل الحواريَّة؛ فإنَّ المنظرين سيأكلون رأسك بأمثالٍ شعبيَّة فرضها الأموات على الأحياء؛ لتجد أحدهم يعلِّمك أنَّ أبجديَّات الرجولة تشير إلى أنَّ "الرجولة مواقف"؛ وإذا حاولت التعرُّف إلى تلك المواقف التي يتحدثون عنها؛ فإنَّك ستتفاجأ بأَنَّها خليط من اللحظات التافهة والممارسات الممزوجة بالصراخ والجعير، أو الشتائم المتبادلة في المجالس الشعبيَّة! وقد يصل بك الأَمر إلى دخول معركة بدنيَّة مؤطَّرة بالكلمات البذيئة التي يوجِّهها بعض أَصحاب القرون الصدئة إلى يتيم يناشد العقل في زقاق مظلم.
وأما بعد؛ فإِنَّ المتصفح لتلك اللقاءات؛ سيُدرك أنَّ الرجولة كانت ولم تزل رديفة "للعبط والبلطجة"، تماماً كما يفعل "التيس" حينما يمارس "تياسته" أمام القطيع، و"الثور" حينما يمارس الثورنة في حلبة المصارعة، و"الكديش" حينما يؤدي مهمته الوطنيَّة في حراثة أرض "بُور" هجرها صاحبها منذ زمن بعيد، فضلاً عن ما يقوم به "البغل" حينما يجر حملاً ثقيلاً على أَرضٍ يكسوها الغبار! فالقوَّة البدنيَّة هنا هي القواسم المشتركة بين تلك المخلوقات التي اختارت "المعاقطة" و"المرافسة" لعدم معرفتها التامة بتشييد الحضارات، ولعدم قدرتها على ممارسة الفِكر؛ وقلَّة إيمانها بأَنَّ عرش الإنسانيَّة أكثر نفعاً وبركة من زريبة المواشي.
ولأنَّ السياسة الشرقيَّة تُعدُّ انعكاساً صادقاً لمجموعة من العُقَدِ النفسيَّة المكتسبة من التراث القديم؛ فإنَّها تفرض سيطرتها في خطب السياسيين والمتدينين والمُتَمَسلِمِين الذين ابتلانا الله بهم، لتزهو بنسخة موسعة من تصرفات "الزعران" في أَزقَّة المدينة الضيِّقة، لذا تجد أنَّ أحدهم يُعرِّف عن قوَّته وقدرة تحمله مستخدماً لفظ "الحصان"! وإنَّه لن يتنازل عن رأيه قيد أُنملة؛ لتكتشف بعد ذلك أَنَّه يوزِّع التنازلات في الغرف المغلقة كما تنثر العجائز حبَّات الحلوى وترمي بها في أَجواء زفِّة العريس "إللي معهوش مصاري يعمل عرسه بصالة"؛ لتبقى المواقف التي يتحدثون عنها مجرَّد عضلات لغويَّة تاريخيَّة؛ تُعرض في الميكروفونات وتذوب عند توقيع الاتفاقيَّات! فهم لا يختلفون كثيراً عن أبناء الحارات ذات الثقافة المغلقة؛ فالجميع يتفاخر بأنَّه "أبو الرجولة"! يمارسون الصراخ والجعجعة لدرجة تقنع السامع بأنَّ التاريخ يرتجف لأَصواتهم، بينما هم في حقيقتهم يستجدون البقاء ويطأطؤون الرؤوس في حضرة من هو أعلى منهم رتبة، فيعكسون الطابع الحقيقي للرجولة التي لا تتعدَّى أن تكون مجرَّد قدرة على الصراخ في وجه الشعوب؛ كالثيران التي تهيج على قماشةٍ حمراء.
إِنَّ الشرقيين لم يدركوا بعد أنَّ الحضارة ليست نتاج عضلات، بل هي نتاج عقول! فالأمم التي غزت الفضاء لم تفعل ذلك بدقِّّ الحديد على الصدور، بل فعلت ذلك بضرب المعادلات على الورق! أما نحن، فما زلنا نعتقد أنَّ الرجولة تتجسد في أن يقوم أحد المعتوهين ببطح "حمار" على الأرض، أو بإيقاف سيارة بيديه ورجليه؛ في حين أنَّ رجلاًَ واحداً من الأمم المتحضرة يستطيع إيقاف كوكبٍ كاملٍ بمعادلة رياضيَّة واحدة! (مجازاً).
إِنَّ أكثر ما يبعث الحزن في نفسي؛ هو أنَّ المجتمعات العربيَّة المعاصرة ما زالت تساوي بين الذكورة التي تُمنح للمولود وقت ولادته، وبين الرجولة التي تُعدُّ منظومةً واسعةً من القيم الإنسانيَّة، فالذكورة تُنتج سلوكاً عدوانيَّاً يقود صاحبه إلى قلب المفاهيم الحقيقيَّة؛ ليعتقد فيما بعد أنَّها مجرَّد عدد المعارك التي خاضها في الشوارع والأزقَّة، أو كميَّة الغنائم التي حصل عليها عنوةً في بعض الفتوحات! أو في مدى فحولته التي تؤهله إلى اغتصاب أكبر عددٍ ممكن من سبايا الحرب! وقد تناست أنَّ الرجولة يمكن أن تكمن في امرأة تحمل عقلاً نبيلاً وقلباً عظيماً؛ لكنَّها فقدت حقَّها بسبب أنَّ التمييز الرفيع ضاع وسط ضجيج المواقف.
إنَّ الرجولة مسؤوليَّة حقيقيَّة، وليست مواقف صوتيَّة، فهي ليست صفة للذكور وحدهم، بل لكلِّ إنسانٍ (ذكر كان أو أنثى) يمتلك شجاعة العقل، وسلامة المنطق، ونُبل الموقف، وصدق الكلمة، وإِنَّ الرجولة ليست في اليد التي تضرب، بل في العقل الذي يبني، والقلب الذي يحترم، والثقافة التي ترفع الإنسان وتسمو به إلى أعلى نقطة في الهرم الحضاري.
خلاصة القول: لقد آن لنا أن نخرج من زرائب التيوس وحلبات الثيران؛ لندخل إلى رحاب الإنسانيَّة، فالأُمة التي ما زالت تعتقد أنَّ الرجولة تقاس بالعضلات؛ لهي أُمة ستبقى ملقاة على هامش الأَمم؛ وستكون خير أُمة أَخرَجَتْ نفسها من قطار الحضارة وجلست على رصيف التسوُّل المعرفي؛ فنامت حتى طمسها الغُبار، وحين استفاقت وجدت نفسها حاشيةً في كتب المتحضرين؛ يُشير متنها إلى أُمة نسيت أَنَّ التاريخ الحقيقي والإِنجاز الحضاري لا يُكتبان بالبقريَّات، بل يُكتبان بالأَفكار والعبقريَّات.











طباعة
  • المشاهدات: 5703
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-01-2026 09:23 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم