حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,11 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 3761

د. خالد السليمي يكتب: الدُول بين معارك الوهم وأزمات الواقع

د. خالد السليمي يكتب: الدُول بين معارك الوهم وأزمات الواقع

د. خالد السليمي يكتب: الدُول بين معارك الوهم وأزمات الواقع

10-01-2026 11:41 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. خالد السليمي
في اللحظات الفارقة من تاريخ الدول، لا يكون الخطر في نقص الشعارات، بل في سوء ترتيب الأولويات، فحين تُستنزف الدولة في صراعات أيديولوجية، أو في محاولات الهيمنة على وعي المجتمع، تتسلل الأزمات الحقيقية بصمت: الفقر يتمدد، البطالة تتجذر، الجوع يطرق الأبواب، والجهل يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة، الخطر هنا ليس فكرياً فقط، بل بُنيوي، لأن الدولة التي تُخطئ في تشخيص معركتها، تُهدر مواردها وطاقاتها في اتجاه خاطئ، وتترك مواطنيها وحدهم في مواجهة تحديات الحياة اليومية، وفي حالتنا الأردنية لا يملك الوطن ترف الانشغال بمعارك جانبية أو استقطابات فكرية حادة، لأن التحديات الاقتصادية والاجتماعية لم تعُد مؤجلة، بل أصبحت ضاغطة ومباشرة، وتتطلب عقل حكومي لا عقل تيار متحذلق.

الأيديولوجيا حين تتحول إلى استنزاف وطني
الأيديولوجيا، حين تتحول من إطار فكري إلى أداة صراع وسيطرة، تصبح عبئاً على الدولة لا رافعة لها، الخطر لا يكمن في التعدد الفكري، بل في تحويله إلى ساحة صراع تُستهلك فيها الطاقات، وتُعطَّل فيها السياسات العامة، ويُختزل الوطن في خطاب ضيق، في أردننا الغالي علينا جميعاً أثبتت كل تجربة أن محاولات فرض وصاية فكرية أو أخلاقية على المجتمع أدت وتؤدي إلى انقسامات صامتة، وتُبعد الدولة عن دورها الأساسي: خدمة المواطن وحمايته وتمكينه، الدولة القوية لا تحتاج إلى فرض أيديولوجيا، بل إلى بناء عقد اجتماعي عادل، يُشعر المواطن بأن كرامته المعيشية مصونة، وأن مستقبله ليس رهينة خطاب أو مزاج سياسي عابر.

الفقر والبطالة: الخطر الصامت على الاستقرار
الفقر والبطالة ليسا أرقاماً في تقارير رسمية، بل واقعاً يومياً يعيشه آلاف الأردنيين، حين يعجز الشاب عن إيجاد فرصة عمل، وحين تعجز الأسرة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، تصبح كل الخطابات الكبرى بلا معنى، الخطر الحقيقي هنا أن تتحول هذه الأزمات إلى شعور جماعي بالإحباط وفقدان الأمل، وهو أخطر على الاستقرار من أي تهديد خارجي، الدول لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط حين يشعر مواطنوها أن الدولة بعيدة عن همومهم، معالجة الفقر والبطالة ليست ملفاً اقتصادياً فحسب، بل قضية أمن وطني واستقرار اجتماعي، تتطلب سياسات جريئة، واستثماراً في الإنسان، لا في الصراعات الهامشية.

الجوع والجهل: إعادة إنتاج الأزمة
الجوع لا يُولد فقط من الفقر بل من غياب العدالة في الفرص ومن سياسات لا تصل إلى الفئات الأكثر هشاشة، أما الجهل فهو أخطر من الجوع، لأنه يُنتج وعياً مشوهاً يسهل توجيهه واستغلاله، حين تتراجع جودة التعليم، ويضعف الاستثمار في المعرفة تفتح الدولة الباب أمام التطرف الفكري والانغلاق، والشعبوية، في الأردن، لطالما كان التعليم أحد أعمدة الاستقرار والهوية الوطنية، لكن التحديات المتراكمة تفرض اليوم مراجعة جادة، لأن الاستثمار في العقل هو الضمانة الوحيدة لبناء مجتمع منتج، لا تابع، وواعٍ، لا منقاد، لا يمكن محاربة الفقر دون محاربة الجهل، ولا يمكن بناء دولة قوية دون مواطن متعلم وناقد ومسؤول.

الحالة الأردنية: أولوية إعادة توجيه البوصلة
الأردن دولة مواردها محدودة، لكن خبرتها السياسية عميقة، وهذا يفرض أن تكون الأولويات واضحة وحاسمة، كل دينار وكل جهد وكل سياسة يجب أن تُوجَّه نحو تحسين حياة المواطن لا نحو صراعات رمزية أو أيديولوجية، فإعادة توجيه البوصلة الوطنية تعني الاعتراف بأن المعركة الحقيقية هي معركة التنمية والعدالة الاجتماعية، وأن أي مشروع سياسي أو فكري لا يُترجم إلى تحسين فعلي في حياة الناس هو مشروع ناقص، الدولة التي تنجح هي التي تُحسن اختيار معاركها، وتضع الإنسان في قلب القرار لا في هامشه.

القيادة والوعي الاستراتيجي: قراءة في نهج جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين
يبرز نهج جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في هذا السياق بوصفه قراءة مبكرة وعميقة لطبيعة التحديات، لطالما أكد جلالته، في خطاباته وتوجيهاته أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالتنمية والعدالة وتمكين المواطن، وتحذيرات جلالته المتكررة من الفقر والبطالة والتهميش لم تكن توصيفاً إعلامياً، بل رؤية استراتيجية تدرك أن الخلل الاجتماعي هو أخطر بوابة للاختلال السياسي، فتركيز جلالته على التعليم، والتمكين الاقتصادي، وحماية الطبقة الوسطى، يعكس فهماً عميقاً بأن الدولة لا تُدار بالأيديولوجيا، بل بسياسات واقعية تُراكم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحمي الأردن من أزمات المستقبل.

في الختام ... الأردن اليوم أمام خيار واضح: إما الاستمرار في استنزاف طاقاته في معارك واصطفافات جانبية، أو خوض معركته الحقيقية بشجاعة ووضوح (الفقر، البطالة، الجوع، والجهل) ليست ملفات ثانوية، بل جوهر الأمن الوطني والاستقرار السياسي، الدولة التي تُحسن مواجهة هذه التحديات تبني مستقبلها بثبات، والدولة التي تتجاهلها تفتح الباب لأزمات أعمق، وقد آن الأوان لأن يكون الخطاب الوطني صادقاً مع نفسه وأن تُترجم الإرادة السياسية إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالدولة لا تُقاس بقوة خطابها، بل بقدرتها على حماية كرامة شعبها.

توصيات استراتيجية لصُنّاع القرار
1. إعادة ترتيب الأولويات الوطنية بوضع الفقر والبطالة في صدارة السياسات العامة، باعتبارهما تهديداً مباشراً للاستقرار، لا مجرد ملفات خدمية أو اقتصادية مؤجلة.
2. تحييد الصراعات الأيديولوجية عن عمل الدولة، وضمان بقاء المؤسسات الوطنية مساحة جامعة لكل الأردنيين، لا ساحة استقطاب أو هيمنة فكرية.
3. إطلاق برامج تشغيل وطنية مستدامة، مرتبطة بالإنتاج لا بالمساعدات، وتستهدف الشباب في المحافظات الأكثر تضرراً من البطالة والتهميش.
4. الاستثمار الجاد في التعليم النوعي، وربط مخرجاته بسوق العمل، باعتباره خط الدفاع الأول ضد الجهل والتطرف والانغلاق الاجتماعي.
5. تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، بحيث لا يتحول الفقر إلى حالة دائمة تُعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال.
6. ربط أي إصلاح سياسي أو إداري بأثره المباشر على حياة المواطن، لضمان أن يشعر الناس بجدوى السياسات لا بمجرد تغيير الخطاب.
7. تمكين الطبقة الوسطى وحمايتها، لأنها العمود الفقري للاستقرار، وأي تآكل فيها يُنذر بخلل اقتصادي واجتماعي واسع.
8. اعتماد خطاب وطني صريح وشفاف، يُسمي التحديات بأسمائها، ويُشرك المجتمع في الحل، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات أو تأجيلها.











طباعة
  • المشاهدات: 3761
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
10-01-2026 11:41 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم