حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,21 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 11508

د. هيثم علي حجازي يكتب: التراجع المعرفي… جرس إنذار لجودة التعليم

د. هيثم علي حجازي يكتب: التراجع المعرفي… جرس إنذار لجودة التعليم

د. هيثم علي حجازي يكتب: التراجع المعرفي… جرس إنذار لجودة التعليم

21-12-2025 03:04 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
تشهد المنظومات التربوية في عدد متزايد من الدول، عربياً وعالمياً، مؤشرات مقلقة على تراجع القدرات المعرفية لدى الطلبة، لا سيما في مجالات الفهم العميق، والتحليل، والتفكير النقدي، والقدرة على التطبيق العملي للمعرفة. ولم يعد هذا التراجع حالة فردية أو عارضة، بل أصبح ظاهرة عامة تستدعي انتباه صانعي القرار التربوي والجهات المعنية بجودة التعليم ومستقبله.
ويُقصد بمصطلح «التراجع المعرفي» الانخفاض الملحوظ في قدرة الطالب على استيعاب النصوص الشفهية والمكتوبة وتحليلها بعمق، واستخلاص العلاقات المنطقية بين الأفكار، والتعامل النقدي أو الإبداعي مع القضايا المعقدة، إضافة إلى توظيف المعرفة في مواقف حياتية حقيقية، بدلاً من الاكتفاء باسترجاع المعلومات المجردة. ويصاحب هذا التراجع ضعف في مهارات اللغة قراءة وكتابة، وتدنٍ في مستوى التعبير الشفهي والكتابي، ومحدودية في الحصيلة المفاهيمية، فضلاً عن تراجع الدافعية للتعلم والاعتماد المتزايد على أساليب التلقين والحفظ.
ولا تستند هذه المخاوف إلى انطباعات شخصية أو أحكام انفعالية، بل تؤكدها بيانات ودراسات دولية موثوقة. فقد أظهر تقرير البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) الصادر عام 2022 انخفاضاً ملموساً في متوسط التحصيل المعرفي، حيث تراجع الأداء في الرياضيات بمقدار 15 نقطة، وفي القراءة بنحو 10 نقاط على مستوى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مقارنة بالدورات السابقة. كما كشفت نتائج اختبارات وطنية في عدد من الدول عن تراجع أداء طلبة الصفوف الأساسية في الرياضيات والعلوم والقراءة خلال الأعوام الأخيرة. وأظهرت دراسات أُجريت في دول عربية ضعفاً في مهارات القراءة والكتابة والتفكير النقدي وحل المشكلات، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات. وقد ربطت بحوث تربوية هذا التراجع بجملة من العوامل، من بينها البيئة التعليمية، وجودة المناهج، وأساليب التدريس، والفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الطلبة، الأمر الذي يجعل من الصعب تجاهل هذه الظاهرة أو التقليل من خطورتها.
تنشأ مشكلة التراجع المعرفي نتيجة تداخل عوامل تربوية واجتماعية ونفسية وتقنية، في مقدمتها هيمنة منهجيات التدريس القائمة على الحفظ والتلقين، على حساب تنمية مهارات التفكير والتحليل. كما يسهم ضعف الاهتمام بالقراءة الحرة والتعبير في تقليص الحصيلة اللغوية والفكرية للطلبة، مما ينعكس سلباً على قدرتهم على الفهم والاستيعاب. ويضاف إلى ذلك قصور في إعداد المعلمين أو محدودية فرص التطوير المهني المستدام، مما يقلل من قدرتهم على تبني أساليب تدريس حديثة قائمة على الحوار والبحث والممارسة. وتلعب الفروق الاقتصادية والاجتماعية دوراً محورياً، إذ يفتقر الطلبة القادمون من بيئات أقل حظاً إلى الموارد التعليمية المساندة والدعم الأسري اللازم. كما أسهمت الأزمات التعليمية، مثل تعطل الدراسة خلال الجوائح أو النزاعات، في تعميق الخسائر المعرفية، حيث أشارت دراسات عالمية إلى انخفاض ملحوظ في مستويات التحصيل نتيجة الإغلاقات المدرسية.
ويمتد أثر التراجع المعرفي إلى ما هو أبعد من أسوار المدرسة، ليترك انعكاسات مجتمعية واقتصادية خطيرة. فهو يؤدي إلى تراجع جودة رأس المال البشري، وانخفاض الإنتاجية، وضعف القدرة على الابتكار، مما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي ويزيد من معدلات البطالة، خصوصاً بين الخريجين. كما يسهم في اتساع الفجوات الاجتماعية نتيجة عدم تكافؤ الفرص التعليمية، ويضعف المشاركة المدنية والسياسية بسبب محدودية التفكير النقدي وانتشار المعلومات المضللة. ويضاف إلى ذلك تراجع الهوية الثقافية واللغوية، وضعف الوعي التاريخي، وتعزيز ثقافة الاستهلاك على حساب الإنتاج المعرفي، فضلاً عن تفاقم بعض المشكلات الاجتماعية وارتفاع الكلفة الاقتصادية التي تتحملها الحكومات لمعالجة آثار هذا التراجع.
ولمواجهة هذه الأزمة والحد من تفاقمها، لا بد من تبني إصلاحات شاملة ومتعددة المستويات. ويشمل ذلك مراجعة المناهج وأساليب التقييم للانتقال من التعليم القائم على الحفظ إلى التعليم القائم على البحث والاستقصاء وحل المشكلات، وتعزيز ثقافة القراءة الحرة والتعبير داخل المدرسة وخارجها. كما يتطلب الأمر الاستثمار الجاد في تطوير المعلم مهنياً، ودعم الطلبة من البيئات الأقل حظاً، وتوفير بيئات تعليمية مساندة، إضافة إلى إعداد خطط طوارئ تعليمية تقلل من أثر الأزمات، والاهتمام بالصحة النفسية للطلبة وتحفيز دافعيتهم الذاتية، وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع.
إن المؤشرات المتزايدة على تراجع القدرات المعرفية لدى الأجيال الصاعدة تمثل جرس إنذار حقيقياً للأنظمة التعليمية. فالتقارير والأرقام، محلية كانت أم دولية، تؤكد أن الخلل بنيوي وليس فردياً. ومن هنا، يصبح الإصلاح الجذري لمنظومة التعليم أولوية لا تقبل التأجيل، لأن بناء جيل قادر على الفهم العميق، والتفكير النقدي، والابتكار، والمشاركة الفاعلة في مجتمعه، هو الاستثمار الأهم في مستقبل الأوطان، وهو خيار لا بديل عنه.
* رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق، أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق











طباعة
  • المشاهدات: 11508
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
21-12-2025 03:04 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم