د. زياد جلال الحنفي يكتب: (حين يصبح التفاعل بديلًا عن التفكير)

منذ 6 شهور
المشاهدات : 11060
د. زياد جلال الحنفي يكتب: (حين يصبح التفاعل بديلًا عن التفكير)
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

لم تكن السرعة، في ذاتها، يومًا مشكلة. فمنذ بدايات الحضارة، سعى الإنسان إلى اختصار الوقت، وتخفيف الجهد، وتسريع الوصول. غير أن ما نعيشه اليوم لم يعد مجرد استخدام للسرعة كأداة، بل تحول إلى تبنّيها كقيمة بحد ذاتها. وهنا يبدأ الخلل؛ حين تصبح السرعة معيارًا للحقيقة، ومقياسًا للكفاءة، ومصدرًا للشرعية، يكون الفهم أول ما يدفع الثمن.

في العصر الرقمي، تُكافأ الاستجابة السريعة أكثر من الإجابة العميقة. يُحتفى بمن يعلّق أولًا، لا بمن يفكر أطول. ويُنظر إلى مواكبة اللحظة على أنها فضيلة، بينما يُعدّ التأمل في معناها ترفًا غير مرغوب. ومع الوقت، لا يتغير سلوك الأفراد فقط، بل تتبدل أنماط التفكير نفسها؛ فيُفهم التأنّي على أنه ضعف، والتردد على أنه جهل، وإعادة النظر بوصفها علامة عدم ثقة.
الفهم، بطبيعته، عملية بطيئة. يحتاج إلى قراءة ومقارنة وربط وتشكيك، ثم إلى إعادة بناء داخلي لا يُقاس بالثواني ولا يُختزل في ملخصات. غير أن المنصات الرقمية لا تعترف بهذا الزمن الداخلي. فهي مصممة لإبقاء المستخدم في حركة دائمة، لأن التوقف يعني فقدان الانتباه، وفقدان الانتباه يعني خسارة اقتصادية.
في هذا السياق، يتراجع الفهم لصالح التفاعل. لم يعد السؤال المطروح: هل فهمت؟ بل: هل تفاعلت؟ لا يُقاس الوعي بعمقه، وإنما بعدد الإعجابات والمشاركات. وهكذا يصبح التفكير المتأني سلوكًا هامشيًا، لا يحظى بالظهور ولا بالمكافأة، مهما كانت قيمته.
الخطر الحقيقي لا يكمن في أن نخطئ بسرعة، بل في أن نقتنع بسرعة. فالقناعة السريعة لا تمر عبر الفحص، ولا تحتمل الشك، ولا تترك مساحة للتراجع. وهي، بذلك، تغلق باب التعلم، وتحوّل الرأي إلى موقف جامد يصعب مراجعته أو مساءلته.
المجتمعات التي تسرع قبل أن تفهم قد تحقق إنجازات مؤقتة، لكنها في المقابل تبني وعيًا هشًا. والوعي الهش سريع الانهيار أمام الأزمات، وسهل التوجيه في أوقات الاضطراب. أما الفهم العميق، فهو ما يمنح المجتمعات القدرة على الصمود، وعلى إعادة التفكير، وعلى تصحيح المسار حين يقتضي الأمر.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم