حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,30 نوفمبر, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 5532

د. هيثم علي حجازي يكتب: التعليم… استثمار استراتيجي لصناعة التنمية وبناء الإنسان

د. هيثم علي حجازي يكتب: التعليم… استثمار استراتيجي لصناعة التنمية وبناء الإنسان

د. هيثم علي حجازي يكتب: التعليم… استثمار استراتيجي لصناعة التنمية وبناء الإنسان

30-11-2025 01:30 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، يبرز التعليم كخيار استراتيجي لا يمكن للدول تجاوزه إذا أرادت بناء إنسان قادر على الإبداع، ومجتمع قادر على المنافسة. فالتعليم لم يعد مجرد وسيلة لاكتساب المهارات أو الحصول على الوظائف، بل أصبح حجر الأساس في تشكيل رأس المال البشري، وتعزيز الابتكار، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وبناء اقتصاد المعرفة.


وتؤكد التجارب الدولية أن الدول التي استثمرت مبكرا في التعليم، ونجحت في تطوير منظومات تعليمية مرنة وعصرية، تمكنت من تحقيق قفزات تنموية لافتة، حتى عندما كانت مواردها الطبيعية محدودة أو شبه معدومة.


ومنذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، أصبح التعليم حقا أساسيا لكل فرد، ووسيلة رئيسة لمحاربة الفقر، وتعزيز الوعي، وبناء المواطن القادر على المشاركة الفاعلة في المجتمع. فالتعليم الجيد لا يفتح آفاق العمل فقط، بل يسهم في تحسين الصحة العامة، ودعم الاستقرار الاجتماعي، وزيادة قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات والأزمات.


ويتفق الخبراء على أن العلاقة بين التعليم والتنمية البشرية علاقة تبادلية؛ فالتعليم يرفع مستوى المهارات والإنتاجية، ويزيد الدخل الفردي، ويقلل معدلات الفقر والبطالة. وفي المقابل، يهيئ النمو الاقتصادي بيئة تمكّن الدول من تحسين أنظمتها التعليمية وتوسيعها وتطويرها، بما يعكس حاجات المجتمع المتغيرة.


ويشير الاقتصادي (غاري بيكر) إلى أن التعليم هو أهم استثمار في رأس المال البشري، لأن كل سنة إضافية من التعليم تُترجم إلى زيادة مستدامة في دخل الفرد. وبناءً عليه، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وصناعة العقول القادرة على القيادة والابتكار.


يلعب كل مستوى تعليمي دورا حيويا في تشكيل شخصية الفرد وتعزيز مساهمته في الاقتصاد والمجتمع؛ فالتعليم الأساسي يعمل على تأسيس المهارات الأولية ومحو الأمية، في حين أن التعليم الثانوي يعمل على إعداد الشباب لسوق العمل أو للجامعة، وتعمل مرحلة التعليم العالي على إنتاج المعرفة والبحث العلمي وتأهيل القيادات، وفي الوقت ذاته يتكفل التعليم الفني والمهني بتلبية احتياجات الاقتصاد من المهارات التقنية. وبتكامل هذه المراحل، تتشكل منظومة تعليمية قادرة على دفع عجلة التنمية وبناء مجتمع معرفي.


ولا بد من التأكيد على أنْ لا تنمية حقيقية بدون عدالة تعليمية. فالتعليم هو الطريق الأسرع للحد من الفوارق الاجتماعية وتحسين مستويات العيش لدى الفئات المهمشة. وهنا تتبدى أهمية تعليم الاناث تحديدا، إذ يرتبط ذلك إيجابا بزيادة دخل الأسرة، وتحسن صحة الأطفال، وارتفاع معدلات المشاركة الاقتصادية.


والأمر الآخر الذي لا بد من الالتفات إليه أن كثيرا من الدول النامية تواجه فجوة تعليمية واضحة بين المدن والمناطق الريفية، مما يستدعي إقرار سياسات أكثر توازنا تضمن فرصا متساوية للجميع.


إنّ عدم المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل هي من أبرز التحديات في المنطقة العربية، إذ يتركز الجزء الأكبر من التعليم الجامعي في تخصصات نظرية، في وقت تعاني فيه القطاعات الصناعية والتقنية من نقص الكفاءات. وتقدم دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية نماذج ناجحة توضح أهمية دمج التعليم الفني والمهني بالاقتصاد الوطني، مما أسهم في خلق أسواق عمل قوية ومرنة.


وعلى الرغم من التوسع الكمي في التعليم في الدول العربية، فإن جودة التعليم ما تزال دون التطلعات، نتيجة عدد من العوامل، أبرزها (1) مناهج تقليدية تعتمد على الحفظ والتلقين (2) نقص الكوادر التعليمية المؤهلة (3) ضعف البنية التحتية التعليمية (4) غياب أنظمة تقييم تقيس المهارات والابتكار. كما تشير الدراسات إلى أن تحسين الجودة التعليمية يرفع أثر التعليم التنموي إلى مستويات مضاعفة، خصوصا إذا ارتبط بالتكنولوجيا والابتكار.


لقد أثبتت تجارب دول مثل سنغافورة وفنلندا أن الاستثمار المكثف في التعليم التقني والبحث العلمي قادر على تحويل دول نامية إلى دول متقدمة خلال عقود قليلة. وفي العالم العربي، بات التحول نحو اقتصاد المعرفة ضرورة ملحّة في ظل الثورة الرقمية وانتشار الذكاء الاصطناعي.


اليوم، يحتل التعليم موقعا محوريا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ هو العامل الأساس لمحو الفقر، وتمكين المرأة، وتعزيز الابتكار، وتوفير فرص العمل اللائق. وكلما زادت جودة واتساع التعليم، ارتفعت قدرة المجتمعات على تحقيق مستقبل أكثر استدامة.


التعليم ليس خدمة تقليدية ولا قطاعا هامشيا، بل هو الصناعة التي تُبنى عليها جميع الصناعات، والأساس الذي يُشيّد عليه مستقبل الدول. وفي عالم تتنافس فيه العقول قبل الموارد، يصبح الاستثمار في التعليم ليس خيارا تنمويا فقط، بل ضرورة ملحة لضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي. ويبقى السؤال الأهم: هل نملك الإرادة لوضع التعليم في مقدمة أولوياتنا، والانطلاق نحو مستقبل أكثر إشراقا؟.








طباعة
  • المشاهدات: 5532
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
30-11-2025 01:30 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل يرضخ نتنياهو لضغوط ترامب بشأن إقامة دولة فلسطينية؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم