حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,30 نوفمبر, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 3205

الدكتور علي الصلاحين يكتب: «مصعب بن عمير: كيف يصنع الإسلام القائد من أعماق الروح لا من مظاهر القوة»

الدكتور علي الصلاحين يكتب: «مصعب بن عمير: كيف يصنع الإسلام القائد من أعماق الروح لا من مظاهر القوة»

الدكتور علي الصلاحين يكتب: «مصعب بن عمير: كيف يصنع الإسلام القائد من أعماق الروح لا من مظاهر القوة»

30-11-2025 10:25 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : الدكتور علي الصلاحين
لم يكن مصعب بن عمير مجرد شاب من قريش عاش في ظل نعيم لا ينقطع، بل كان مثالًا نادرًا على التحول الإنساني حين يمس القلب نور الحق. ولعل أول ما يلفت في سيرته أن الإسلام لم يصنع منه قائدًا بالصدفة، بل صنعه عبر مسار تربوي متدرّج، يبدأ من قلبه وينتهي بأثره في المجتمع. هذه السيرة لا تُقرأ بوصفها قصة تاريخية فحسب، بل كمنهج متكامل لصناعة القيادة في الإسلام، منهج يعيد تعريف القوة، والوعي، والقدرة على التأثير.
لقد كان مصعب في مكة شابًا يشار إليه بالبنان: أناقة، وهيبة، ووجاهة. كانت أمه تكسوه بأفخر الثياب، وتحيطه بما لا يُمنح إلا لأبناء الأسر الراقية. غير أن شيئًا في داخله كان يتجاوز هذا البريق المادي؛ كان يبحث عن معنى، عن حقيقة لا يخلقها العطر ولا النسج الفاخر. وعندما وصلته أنباء رجل يدعو إلى التوحيد في دار الأرقم، بدا كأنما نداء داخلي يحرّك قلبه. دخل الدار بفضول، وخرج منها بوجه آخر: وجه يقظ، مفعم بنور لا يراه إلا من عرف طعم الهداية. هنا بدأت صناعة القائد.
أول درس يقدمه لنا مصعب أن القيادة في الإسلام تُصنع من الداخل، لا من الصخب الخارجي. لم يمنحه النبي صلى الله عليه وسلم منصبًا ولا سلطة، ولم يُعط لقبًا أو امتيازًا. لكن الإسلام صقله بالصبر، والوعي، وتحرير القلب من عبودية المظاهر. وحين حُبس بسبب إسلامه، ثم خرج مهاجرًا، كانت هذه المحطات بمثابة تدريب روحي عميق، يعلّمه أن القائد لا يُعرف بما يملك، بل بما يستطيع أن يتخلى عنه من أجل مبدأ.
ثم تأتي النقلة المفصلية: بيعة العقبة الأولى. أراد أهل يثرب من يعلّمهم الإسلام، ويؤسس لبنة أول مجتمع مسلم. وهنا اختار النبي صلى الله عليه وسلم مصعبًا، ولم يختر الأقوى صوتًا، ولا الأشد بأسًا، ولا الأوسع نفوذًا. اختاره لأنه يجمع بين العلم، ولطف الخلق، وحكمة العقل. وهذه العناصر الثلاثة جوهر القيادة الإسلامية: علم يوجه، ورحمة تحتضن، وبصيرة توازن.
عندما دخل مصعب يثرب، لم يدخلها كغريب يبحث عن دور، بل كقائد يعرف أن مهمته ليست أن يقهر الناس، بل أن يفتح قلوبهم. يروي التاريخ كيف واجهه رجال أشداء غاضبون، ومع ذلك كان يستقبل غضبهم بابتسامة هادئة، ويقول لهم بثقة الواثق: “اجلس واسمع، فإن رضيت قبلت، وإن كرهت كففنا.” هذا الأسلوب ليس مجرد لين، بل ذكاء نفسي يدرك أن القلوب تُفتح قبل العقول، وأن الإصغاء هو نصف القيادة.
نجح مصعب خلال عام واحد في تحويل المدينة إلى مجتمع حيّ نابض بالإيمان، حتى قيل إن بيتًا من بيوت الأنصار لم يبق إلا دخله الإسلام. هنا يتجلى درس بالغ العمق: أن القيادة في الإسلام تعتمد على بناء الإنسان قبل بناء النظام، وأن إصلاح النفوس مقدم على إصلاح الهياكل. مصعب لم يكن يملك قوة مادية، لكنه كان يملك قوة روحية أعظم: القدرة على أن يجعل الآخر يشعر أن الحقيقة التي أمامه أكبر من مقاومته لها.
وفي مشهد وداعه الدنيا عند أحد، تظهر آخر دروس القيادة: أن القائد الحق لا يُقاس بثيابه ولا بمكانته الاجتماعية. ذلك الشاب الذي كان يتعطر بأغلى الطيب، الذي كانت مكة تلتفت لمروره، سقط شهيدًا وهو لا يملك إلا بردة لا تكفي لتغطية جسده. ومع ذلك، وقف النبي صلى الله عليه وسلم عنده متأثرًا وقال: “لقد رأيتك بمكة وما بها فتى أنعم منك، ثم ها أنت ذا.” وكأن الرسالة أن القيادة في الإسلام ليست رفاهًا، بل تضحية، وأن أثر القائد يبقى بعد رحيله، لأنه يبقى في القلوب وفي التاريخ.
هذه هي صناعة القائد في الإسلام كما يشرحها مصعب بن عمير بالفعل قبل القول:
قيادة تبدأ بتحرير الذات، وتتقوّى بالعلم، وتستمد قوتها من الرحمة، وتُنجز أهدافها بالحكمة، وتبلغ كمالها بالتضحية. ليس كل من يعلو صوته قائدًا، ولا كل من يفرض سلطته مُصلحًا. القائد الحقيقي هو الذي يحمل نورًا يراه الناس في سلوكه لا في كلامه، ويترك أثرًا لا يزول ولو زال كل ما كان يملكه.
وهكذا يبقى مصعب واحدًا من أعظم النماذج التي تبرهن أن الإسلام لا يصنع قادة عبر السلطة، بل عبر بناء الرجال. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن النهضة ليست بحاجة إلى ضجيج، بل إلى رجال يحملون في قلوبهم ما حمله مصعب: صدقًا يدفع، وعلماً ينير، ورفقًا يجذب، وتضحية تصنع التاريخ.











طباعة
  • المشاهدات: 3205
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
30-11-2025 10:25 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل يرضخ نتنياهو لضغوط ترامب بشأن إقامة دولة فلسطينية؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم