حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,30 نوفمبر, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 2075

د.غازي الرقيبات يكتب: عمرة… "هل ستصبح رافعة للنمو "

د.غازي الرقيبات يكتب: عمرة… "هل ستصبح رافعة للنمو "

د.غازي الرقيبات يكتب: عمرة… "هل ستصبح رافعة للنمو "

30-11-2025 10:25 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : أ.د غازي الرقيبات
يبدو أن الأردن يخطو نحو زمنٍ جديد، زمن تدرك فيه الدول أن المدن ليست جدرانًا تُرفع، بل رؤى تُغرس كما تُغرس بذرة في تربةٍ تعرف طريقها إلى الضوء، ومدينة عمرة، كما تتبدّى من خطوطها الأولى، تشبه تلك المدن التي ولدت من رحم الإرادة قبل أن تولد من الإسمنت، مثل سنغافورة التي بدأت كفكرة لا كقوة، وكوبنهاغن التي أعادت اكتشاف نفسها عبر الإنسان لا عبر الآلة، إنّها محاولة أردنية لصياغة مدينة تُخاطب العالم دون أن تتخلى عن لهجتها، وتفتح نوافذها على المستقبل كما يفتح الزارع كفَّه لتستقبل المطر.
فالمدينة هنا ليست توسّعًا جغرافيًا، بل بنية حضرية تتنفس عبر حدائق خضراء تمتدّ على آلاف الدونمات، وتنبض بمراكز رياضية أولمبية، وتعلو في قلبها صروح تعليمية ومراكز تكنولوجية تستحضر نجاحات مدنٍ جعلت من المعرفة محركًا للنمو، كما فعلت سول حين حولت التقنية إلى عصب اقتصادها، والدوحة حين جعلت التعليم بوابةً إلى العالم، وحتى الترفيه فيها ليس حشوًا عمرانيًا، بل عنصرًا اقتصاديًا مقصودًا، كما تصنع لوسيل وإكسبو سيتي دبي من الفكرة حدثًا، ومن الحدث قيمة.
وفي عمرة تتقاطع الفكرة الاقتصادية مع الفكرة الإنسانية كما يتقاطع النهر بضفتيه، فالمشروع لا ينظر إلى الاستثمار كتعهدٍ مالي فحسب، بل كبنيةٍ تُنتج حياة جديدة، هنا، تتجاور الصناعات الإبداعية مع الصناعات التكنولوجية، ويتبادل الفنّ والاقتصاد الأدوار كما يتبادل الضوء والظلّ وظائفهما في لوحةٍ متقنة، وهي فلسفة أثبتت جدواها في المدن التي جعلت من “القيمة المضافة” جوهر وجودها، من برشلونة التي استثمرت في فضائها الثقافي، إلى سنغافورة التي رفعت من شأن العقل كأهم صادراتها.
ولأن المدن التي تصمد هي تلك التي تعيد ترتيب علاقتها بالإنسان والبيئة، تأتي عمرة وهي تحمل وعيًا بيئيًا يستلهم تجربة كوبنهاغن في الحياد الكربوني، وتجربة “مصدر” في إعادة تعريف علاقة الإنسان بالطاقة والماء، فالحزام الأخضر ليس مجرد مساحة زينة، بل درع مناخي، واقتصاد أخضر، وصناعة مستقبلية قائمة على الطاقة النظيفة وحلول المياه الذكية، كما فعلت سنغافورة حين حولت كل قطرة إلى مورد استراتيجي.
أما النقل، فليس ملحقًا للمدينة، بل عمودها الفقري، والنظام المقترح فيها يُذكّر بمدنٍ أعادت تنظيم نفسها حول الحركة الذكية: شبكات نقل عام نظيفة، منظومة تربط الحي بالساحة، والعمل بالمدرسة، والباص السريع بشرايين داخلية تُشبه ما فعلته سول حين جعلت النقل العام جزءًا من هوية المدينة، أو كوبنهاغن حين تحولت الدراجات إلى فلسفة لا إلى وسيلة.
وفي قلب هذه التفاصيل، تكمن الفكرة الكبرى: أن تكون عمرة مدينة بتوازن اجتماعي، لا بواجهات حجرية، مدينة تُعيد الاعتبار للطبقة المتوسطة، وتفتح الباب أمام مساكن ميسّرة تحفظ كرامة الساكن لا جيبه فقط، وتخلق مجتمعًا مختلطًا لا تُقسّمه الطبقات، وهو درسٌ استوعبته سنغافورة مبكرًا حين جعلت من الإسكان أداة للوحدة الوطنية لا للتباعد.
ومع أن الهوية الاقتصادية جزءٌ جوهري من المشروع، إلا أن الهوية الثقافية ليست على الهامش، فكما حافظت الدوحة ولوسيل على نكهتهما الخليجية في ظل الحداثة، تسعى عمرة إلى أن تبقى أردنية في عمارتها، في حجَرها، في ساحاتها التي تستلهم من الفضاء العربي القديم روحًا، ومن البتراء سرًّا، ومن البادية لونًا، إن عمرة ليست مجرد استجابة لازدحام عمّان والزرقاء، بل استجابة لأسئلة أكثر عمقًا: ماذا سنترك للأردني بعد ثلاثين عامًا؟ أيّ مدينة يريد أن يعيش فيها؟ وأيّ اقتصاد يمكن أن ينهض به؟ إنها ليست هروبًا من الحاضر، بل هجومًا على المستقبل، كما تفعل المدن التي صنعت لنفسها مكانًا بين خرائط الريادة العالمية، وهكذا، قد تصبح عمرة مدينة لا تُقاس بنشاط بنائها، بل بقدرتها على إعادة بناء الفكرة الأردنية عن التنمية؛ مدينة تنسج على مهلٍ حكايةً جديدة، تتقاطع فيها التجارب العالمية مع الخصوصية المحلية، وتلتقي فيها الطموحات الاقتصادية مع السياسات الذكية، وتقول للأردن إن المستقبل ليس قادمًا إلينا… بل نحن ذاهبون إليه، إنها مدينة تُكتب كما تُكتب القصائد الطويلة: ببطء، وحنكة، وإيمانٍ أن الوطن حين يشيد مدينة جديدة، فإنه لا يضيف نقطة على الخريطة، بل يضيف فصلاً جديدًا في كتاب الدولة.

د.غازي عبدالمجيد الرقيبات











طباعة
  • المشاهدات: 2075
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
30-11-2025 10:25 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل يرضخ نتنياهو لضغوط ترامب بشأن إقامة دولة فلسطينية؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم