حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,29 نوفمبر, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 3290

عبدالمهدي القطامين يكتب: وصفي التل… الشاهد الذي لم يساوم، والشهيد الذي لم ينحنِ

عبدالمهدي القطامين يكتب: وصفي التل… الشاهد الذي لم يساوم، والشهيد الذي لم ينحنِ

عبدالمهدي القطامين يكتب: وصفي التل… الشاهد الذي لم يساوم، والشهيد الذي لم ينحنِ

29-11-2025 10:35 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. عبدالمهدي القطامين
اذكر ان اليوم كان يوم احد عدت من المدرسة متأخرا كان والدي رحمه الله يتشمس في فناء المنزل وبجانبه المذياع القديم ولأول مرة كنت أراه يبكي بحرارة كنت لم ازل أدرج في عامي التاسع وببراءة سألت والدي
هل مات احد يا ابتي
ردد بصوت واهن :
لقد مات كثير ...لقد قتل الجبناء وصفي.... لم أعرف انذاك من يكون وصفي الذي تبكيه الرجال حاولت لاحقا ان اعرف عن هذا الوصفي فكان الوصف يضيق امامه فقد كان ارحب من كل وصف .
ما الذي جعل الاردنيون يحبونه حد الجنون كان هذا السؤال يلاحقني حتى بعد ان كبرت وصرت أميز بين من ينظر من ثقب الباب الى الوطن وبين من ينظر من قلب مثقوب كما قال الراحل يوسف الصايغ
وعرفت ان الفتى وصفي كان من تلك الفئة التي ترى من القلب الوطن.
كان وصفي التل يمشي في أرض الأردن كما لو أنه يعرف سرَّ كل حجر، ويصغي لنبض ترابه كما يصغي العارف لهمس كتاب قديمٍ لا يخطئ قراءة صفحاته رجلٌ خرج من رحم الفكرة العربية لذلك رأيناه جنديا مقاتلا في فلسطين ، رجل خرج من معطف الفلاح الذي يعرف أنّ حبة القمح وطنٌ صغير، وأن الساقية التي تنحدر من الجبل تحمل في مائها عزّة أمة.

كان يخرج من مكتبه ليعانق سهول السلط، ويجلس مع الجنود في خنادق الشتاء، ويراقب تباشير الصباح فوق معان وكأنه يتأكد أن الشمس لا تشرق إلا بإذن الوطن.

كان شاهدا على زمنٍ تتداخل فيه الأصوات وتضيع فيه الرايات، لكنه بقي وحيدا، ثابتا، يرفع راية واحدة لا تتلوّن ولا تنحني: راية الأردن.
رجل عرف أن الصدق أثقل من الخطابة، وأن حماية الدولة ليست مواكب تلوح باضوائها كي ينتحي العامة عن درب الرئيس ، بل أصابع على الزناد، وعيون تسهر،ومزارع يقبض على منجله يقص رؤوس السنابل وهو يردد
منجلي ومنجلاه
راح للصايغ جلاه
وقلوب لا تبيعُ الوطن ولا تشتريه لذلك رأيناه يحتد ويغضب حين رأى سجينا تهمته أنه شتمه فقال قولته الشهيرة :"ملعون ابو وصفي اللي بتحبسوا الناس عشانه " .

وفي قلب العاصفة، كان وصفي يمشي بخطوةٍ يعرف أنها قد تقوده إلى الرصاص لكنه لم يخن الخطوة، ولم يساوم الطريق كان يعرف أن بعض الرجال يُمتحنون بالموت، وأن بعض الشهادات لا تُكتب بالحبر، بل بالدم لذلك رأيناه قبل سفرته الأخيرة يقول :
"ما حدا بموت ناقص عمر "

وحين عاجلته رصاصة الغدر ذات نهارٍ بعيد قريب كأنه الامس في القاهرة ، لم يكن جسده هو الذي سقط؛ إنما سقطت معه آخر الشعارات الكاذبة، وارتفع صوتٌ واحد يردده الأردنيون جيلاً بعد جيل:
أن الرجل الذي يموت من أجل وطنه لا يموت… بل يبقى حيًا في ذاكرة الناس وفي ذاكرة الوطن وفي كل تشرين كلما سقطت قطرة ماء كان وصفي ينبت من جديد كرمز لرجل لم يساوم ولم يقاول بل مات فقيرا مديونا فطوبى للفقراء .
فيا وصفي الغائب الحاضر
يا شاهدا على زمنٍ كان يحتاج إلى قوة الجبال،
ويا شهيدا حمل الوطن على كتفيه ورحل،
نم قرير العين؛ فما زال الأردن واقفا كما أردته
وما زال اسمك يمشي في الشوارع، ويجول في صدور الناس يحبسون بعض دمعهم كلما حل تشرين اوغلوا في حزن نبيل على الفارس الذي رحل قبل الاوان .











طباعة
  • المشاهدات: 3290
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
29-11-2025 10:35 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل يرضخ نتنياهو لضغوط ترامب بشأن إقامة دولة فلسطينية؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم