حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,29 نوفمبر, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 3123

الدكتور علي الصلاحين يكتب: "الإصغاء النبوي: مهارة القيادة الحكيمة في ضوء سورة التوبة"

الدكتور علي الصلاحين يكتب: "الإصغاء النبوي: مهارة القيادة الحكيمة في ضوء سورة التوبة"

الدكتور علي الصلاحين يكتب: "الإصغاء النبوي: مهارة القيادة الحكيمة في ضوء سورة التوبة"

29-11-2025 10:29 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : الدكتور علي الصلاحين
تقدّم الآية 61 من سورة التوبة نموذجًا ربانيًا رفيعًا في التربية والقيادة معًا، إذ يكشف الله تعالى موقف المنافقين الذين طعنوا في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: إنه “أُذُن”، أي إنه يسمع لكل أحد ويصدّق كل ما يُلقى إليه، في محاولة للنيل من مكانته وقدرته على التمييز والحكم. غير أن الرد الإلهي قلب ما أرادوه ذمًّا إلى مدح، فقال سبحانه: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، ليجعل من الإصغاء قيمة قيادية وتربوية عليا، وليظهر أن الاستماع النبوي لم يكن ضعفًا كما زعموا، بل كان قوةً، وحكمةً، ومهارةً في إدارة النفوس، واحتواء المواقف، وبناء الثقة.

وهذه الآية ترسم ملامح القائد المربي الذي يدرك أن الإصغاء ليس موقفًا سلبيًا، بل هو فعل واعٍ يُبنى عليه فهم الناس، وتحديد حاجاتهم، وكشف صدقهم من تكلّفهم، كما قال تعالى في تتمة الآية: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فالقائد الناجح—كما النبي في هذا السياق—لا يصدّق كل صوت يسمعه، بل يصدّق الصادقين، ويمنح الثقة لأهل الأمانة، ويقرأ ما وراء الكلمات. وهذا جوهر القيادة الحكيمة: الجمع بين الإصغاء ومسؤولية التمييز.
إن الإصغاء في النموذج النبوي ليس مجرد “سماع”، بل هو إصغاء موجَّه نحو الخير، يعتمد على فهمٍ عميقٍ للنفسيات، وقراءةٍ هادئة للنفوس، وقدرةٍ على الالتقاط الذكي للمعاني. ولهذا وصفه الله بقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾، فالرحمة هنا منهج قيادة قبل أن تكون عاطفة، إذ ينطلق القائد من فهم حاجات أتباعه، والتعامل معهم برفق، وتقويم أخطائهم دون إذلال، وبناء علاقة قائمة على الاحترام والمساندة.
وفي هذا السياق، تنعكس دلالة الآية على الواقع التربوي والتعليمي المعاصر، فالمعلم قائد، وإحدى أهم مهارات القيادة الناجحة هي مهارة الإصغاء الفعّال. فالقائد الذي لا يستمع للناس—وللطلبة في المجال التربوي—يفقد القدرة على فهم المشكلات، وتحديد الاتجاهات، وبناء الثقة، ومعرفة دوافع السلوكيات. وقد أثبتت الدراسات التربوية الحديثة أن الإصغاء يُعدّ أساسًا لتأسيس بيئة تعلّمية آمنة، تُحفّز التعبير، وتدعم الإبداع، وتمنح المتعلم شعورًا بالقيمة والاحترام.
ويمكن للمعلم القائد أن يمارس هذه المهارة النبوية في الصف عبر الإنصات الهادئ إلى تساؤلات المتعلمين، واحترام مشاعرهم، واستقبال آرائهم دون تسرّع في الحكم عليهم، بل بتوجيههم عبر الحوار. غير أن هذه المهارة لا تُمارس دون ضوابط؛ فكما ختمت الآية بالتحذير: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإن القيادة—ومنها القيادة التربوية—لا تعني التهاون أمام من يتعدّى حدود الاحترام أو يسيء للبيئة التعليمية، بل توازن بين الرحمة والحزم، وبين الإصغاء والانضباط.وهكذا تُبرز الآية أن القيادة الناجحة تقوم على ثلاث ركائز كبرى:
إصغاء واعٍ، وتمييز حكيم، ورحمة منضبطة.
فالاستماع النبوي أصبح في التعليم نموذجًا لبناء علاقة إيجابية بين المعلم والطلاب، وفي القيادة نموذجًا لصناعة التأثير الحقيقي الذي يتولد من احترام الإنسان، وفهمه، والإحسان إليه.
إن المعلم الذي يستلهم هذا النهج النبوي يتحول من مجرد شارح للمعلومات إلى قائدٍ مُلهِم، يُنمّي الثقة، ويغرس الأخلاق، ويعطي كل متعلم مساحة ليُسمَع، ويشعر بأن صوته ذو قيمة، وأن تفكيره محل اعتبار. وهذا ما يجعل الإصغاء أحد أهم مهارات القيادة الناجحة، وأحد أعظم القيم التي يمكن غرسها في المتعلمين منذ الصغر، ليستفيدوا منها في حياتهم العلمية والعملية على حد سواء.











طباعة
  • المشاهدات: 3123
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
29-11-2025 10:29 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل يرضخ نتنياهو لضغوط ترامب بشأن إقامة دولة فلسطينية؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم