د. أشرف الراعي يكتب: كلاب ضالة

منذ 8 شهور
11167
د. أشرف الراعي يكتب: كلاب ضالة
د. أشرف الراعي

د. أشرف الراعي

تتعالى في الآونة الأخيرة شكاوى المواطنين من الانتشار اللافت للكلاب الضالة في الأحياء السكنية، سواء في العاصمة عمّان أو في المحافظات الأخرى، وهذه الظاهرة باتت مصدر قلق يومي للسكان؛ حيث يواجه الأطفال والنساء وكبار السن خطر التعرض الهجوم أمام بيوتهم أو أثناء تنقلهم، وبرغم صرخات الناس واستغاثتهم المتكررة، لا يزال التجاوب الرسمي محدوداً، ما يترك المجال لتفاقم المشكلة وتحولها إلى معضلة صحية وأمنية.
وجود الكلاب الضالة في التجمعات السكنية يطرح تحديات متعددة؛ أولها التهديد المباشر لسلامة المواطنين، وثانيها المخاطر الصحية المترتبة على احتمال انتشار الأمراض مثل داء الكلب (السعار) أو الطفيليات التي تنقلها الحيوانات غير المعالجة.
كما أن هذه الظاهرة تترك أثراً نفسياً سلبياً على الشعور بالأمن في الحي، ناهيك عن الصورة غير الحضارية التي تعكسها في بلد يسعى إلى تعزيز معايير الصحة العامة، والعيش الكريم.
وفي المقابل، لا يمكن النظر إلى هذه الحيوانات باعتبارها مجرد "خطر يجب التخلص منه" بطرق تقليدية قاسية أثبتت التجربة فشلها، مثل القتل الجماعي أو الإعدام العشوائي، التي لا تحل المشكلة بل تؤدي إلى فراغ سرعان ما تملؤه كلاب أخرى مهاجرة، لذا فالمطلوب إذن مقاربة علمية وإنسانية متوازنة، تأخذ في الاعتبار حقوق الإنسان والمجتمع وكذلك حقوق الحيوان.
ومن الحلول العلمية التي يمكن اقتراحها في هذا السياق أولاً؛ تطوير التشريعات وتفعيلها عبر وضع أنظمة واضحة لإدارة ملف الحيوانات الضالة بما يضمن سرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين، ويحدد دور أمانة عمان والبلديات والجهات المعنية بشكل متناسق، وكذلك تفعيل برامج "الإمساك والتعقيم ومن ثم الإطلاق"، وهي آلية أثبتت فعاليتها في دول عديدة، حيث يتم إمساك الكلاب الضالة، وتعقيمها، وتلقيحها ضد الأمراض، ثم إعادتها إلى أماكنها، وهو ما يقلل تدريجياً من أعدادها بشكل طبيعي ويحد من قدرتها على التكاثر.
كما أن من الحلول العملية إنشاء مراكز إيواء ورعاية؛ إذ يمكن للبلديات بالشراكة مع جمعيات الرفق بالحيوان أن تؤسس ملاجئ منظمة لرعاية الكلاب غير القابلة للعودة، مع توفير فرص للتبني من قبل العائلات المهتمة، وهو ما يجري في العديد من الدول بما في ذلك دول عربية ومنها تجربة دولة الإمارات في هذا السياق والتي يمكن الاهتداء بها والتعامل وفقاً لها، مع ضرورة نشر الوعي بين المواطنين حول كيفية التعامل مع الكلاب الضالة، وتوضيح أن إلقاء بقايا الطعام عشوائياً في الشوارع يسهم في تكاثرها وتجمعها، وأهمية الاستفادة من كليات الطب البيطري لإجراء حملات ميدانية مشتركة، تسهم في خدمة المجتمع وتدريب الطلبة، وتوفر حلاً عملياً بتكلفة معقولة.
معالجة مشكلة الكلاب الضالة اليوم هي ضرورة لحماية الصحة العامة وضمان أمن المجتمع، كما أنها اختبار لمدى قدرتنا على التعامل مع التحديات اليومية بعقلانية وحلول مستدامة، فهذا الملف يؤرق الكثيرين من أبناء مجتمعنا، ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى الانتقال من دائرة الشكوى إلى ميدان الفعل، ومن الأسلوب التقليدي إلى النهج العلمي، ليبقى وطننا وشوارعه آمنة وصورتنا أمام العالم حضارية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم