حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,30 أغسطس, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 17712

زياد فرحان المجالي يكتب: أنتم فشلتم في أن تكونوا بشرًا

زياد فرحان المجالي يكتب: أنتم فشلتم في أن تكونوا بشرًا

 زياد فرحان المجالي يكتب: أنتم فشلتم في أن تكونوا بشرًا

28-08-2025 08:25 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : زياد فرحان المجالي
للصور ذاكرة لا تموت. قد تكون أقوى من المدافع، وأخطر من القنابل، لأنها قادرة على إشعال الحروب أو فضح الصمت. في عام 1990، صورة واحدة في بغداد كانت كافية لتعبئة العالم وإشعال حرب الخليج الأولى. أما في غزة اليوم، فآلاف الصور لم توقظ حتى كلمة ندم أو أسف. السلاح واحد… لكن الضحية مختلفة.
بغداد 1990: صورة أشعلت حربًا
جلس صدام حسين بزيّه العسكري على كرسي فاخر، يضع يده على رأس طفل أشقر من عائلة بريطانية، فيما جلس الأب والأم بوجوه متوترة. لم تكن هذه اللقطة مجرد مشهد عابر، بل تحولت في الإعلام الغربي إلى رمز للوحشية ودليل على استغلال الرهائن كـ"دروع بشرية".
في أيام قليلة، غمرت الصورة الشاشات، وتحوّلت الصحف إلى منصات تعبئة. الرأي العام الغربي والعربي انجرّ وراء موجة الغضب، ليوفّر غطاءً لحرب ضخمة قادها جورج بوش الأب تحت شعار "تحرير الكويت". وهكذا التحمت صورة واحدة مع وقائع سياسية وعسكرية جاهزة، فأشعلت حربًا شاملة أعادت رسم خرائط المنطقة وفتحت جراحًا لم تلتئم حتى اليوم.
غزة 2025: صور لا توقظ ضميرًا
بعد أكثر من ثلاثة عقود، تأتي الصورة الأصدق والأكثر قسوة: طفل فلسطيني نحيل يبكي وسط خيمة ممزقة، آخر يبحث في الركام عن لقمة، وأم تحمل أبناءها نحو المجهول بعدما انهار البيت فوقهم.
هنا لا توجد دعاية ولا مسرحية ولا ابتسامة أمام الكاميرا. إنها براءة عارية وجوع صارخ ودموع حقيقية. ومع ذلك، تمر هذه الصور في الغرب كأخبار عابرة لا تحرك سياسيًا ولا توقظ ضميرًا. الإعلام يساوي بين الجلاد والضحية، بينما يموت الأطفال كل يوم تحت الحصار والقصف.
السلاح واحد… لكن النتيجة مختلفة
المفارقة صارخة:
بغداد 1990: صورة رهينة غربي صنعت حربًا.
غزة 2025: آلاف صور لأطفال فلسطينيين لم توقظ حتى اعترافًا أو كلمة أسف.
الصورة كسلاح دعائي قد تملك القوة ذاتها، لكن الاستجابة لا تحددها الدموع بل هوية الضحية ومصالح الفاعلين. حين يكون الطفل غربيًا، تتحرك الجيوش وتُفتح الجبهات. وحين يكون فلسطينيًا، يُترك ليموت جوعًا تحت الخيام.
بلير… اعتراف بلا جدوى
توني بلير، أحد أبرز مهندسي الغزو لاحقًا، كتب في مذكراته A Journey (2010):
> "أندم بكل جزء في كياني على الذين ماتوا… لا توجد كلمات تكفي للتعبير عن حزني."
لكن أي معنى لندم يأتي بعد أن أُحرقت المنطقة؟ وأي جدوى لاعتراف بعد أن تحولت صورة إلى حرب وحطام؟ في غزة، لم نسمع حتى كلمة ندم. لا إحساس بالذنب، فقط صمت غربي وتبريرات باردة.
من بوش الأب إلى بوش الابن: استمرارية الهدف
لم يكن الأمر خطأ عابرًا ولا نزوة فردية. فمن بوش الأب الذي أشعل حرب الخليج، إلى بوش الابن الذي غزا العراق بذريعة "أسلحة الدمار الشامل"، استمرت المسيرة ذاتها. تغيرت الشعارات، لكن الهدف لم يتغير: السيطرة وإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحهم. الصورة قد تكون الذريعة، والخطاب قد يتغير، لكن الجوهر ثابت.
لغة الإبادة من تل أبيب
أما اليوم، فلا يحتاج الغرب إلى صورة يفسرها على هواه، بل إلى كلمات صريحة من شركائه. وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"، ودعا إلى قتل الأسرى بدلًا من إطعامهم.
هذا خطاب إبادة علني، لكنه لم يلقَ استنفارًا دوليًا ولا إدانة جادة. صورة صدام مع رهينة هزّت العالم، أما تصريحات صريحة تدعو لإبادة الفلسطينيين فلا تثير سوى صمت متواطئ، بل ودعم إضافي بالسلاح والفيتو.
العرب بين الكويت وغزة
الازدواجية لا تقف عند الغرب. ففي حرب الخليج، هرعت الجيوش العربية للمشاركة في "تحرير الكويت" تحت راية واشنطن. أما اليوم، وغزة تحترق، لم تتحرك جيوش، ولم تُفتح جبهات. اكتفى كثيرون بالفرجة والتصريحات، بينما كانت إيران – الخصم المرير – أكثر حضورًا بإرسال مساعدات غذائية ودواء لطفل يصرخ جوعًا. مشهد يفضح الانقسام والخذلان.
نداء غزة
الصورتان ليستا مجرد لقطتين في أرشيف الذاكرة، بل اختبارًا لإنسانية عالمٍ يزعم حماية الحقوق. الأولى تحوّلت إلى حرب لأن أصحاب القرار أرادوا الحرب، والثانية تُركت في أدراج النسيان لأن أصحاب القرار أرادوا الصمت.
الصورة لا تملك سحرها بذاتها، بل تُستمد قوتها ممن يوظفها، ومن يترجم دموع الأطفال إلى فعل أو إلى تجاهل. وهنا تتجلى الحقيقة: غزة لا تفضح الاحتلال وحده، بل تفضح النظام الدولي كله… وتكتب بدموع أطفالها الجملة الأكثر صدقًا:
"أنتم لم تفشلوا في إنقاذنا فقط… أنتم فشلتم في أن تكونوا بشرًا."











طباعة
  • المشاهدات: 17712
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
28-08-2025 08:25 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
ما مدى رضاكم عن أداء وزارة الأشغال العامة والإسكان بقيادة ماهر أبو السمن؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم