تابع اخبار كورونا اولا باول اقرأ المزيد ...

حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,28 سبتمبر, 2020 م
طباعة
  • المشاهدات: 991

فنية العبور بين الأجناس الأدبية

فنية العبور بين الأجناس الأدبية

فنية العبور بين الأجناس الأدبية

16-09-2020 08:48 AM

تعديل حجم الخط:

سرايا - تظهر بين الفينة والأخرى مقولات وأسماء جديدة ومبتكرة للرواية بناءً على فرضية
التداخل، مثل شعرية الرواية، والرواية الواقعية، ورواية المنفى، ورواية التغريب، والرواية
البوليسية، ورواية الخيال العلمي، والرواية العجائبية، ورواية السيرة الذاتية، والرواية
الجديدة، ورواية التخييل، واللارواية أو رواية الرواية، وما بعد الرواية أو ما وراء الرواية، والرواية
الانعكاسية أو المضادة أو الارتدادية، وغيرها كثير هي في الأصل أشكال سردية، تحددت

بحدود معينة لتكون أنواعا روائية خاصة.
بيد أنّ هناك عملية تتعدى التداخل إلى العبور بين الأجناس السردية، بوصف العبور
عملية إمبريقية، فيها يتم التجميع بمنطقية التضايف بين طرفين الأول تمثله صيغة أو
نوع أو جنس، والثاني يمثله جنس، حتى لو كانت بينهما متشابهات أو اختلافات، ليترشح
من التجميع والتضايف عبور يكون لصالح الطرف الثاني الذي هو الجنس الذي سيحتوي
في قالبه الطرف الأول. وعندها يجوز تداول مسميات ثنائية مثل قصيدة قصصية أو
مسرح ملحمي أو رواية درامية، لكنها على مستوى التجنيس تتقولب في الجنس العابر
الذي هو «الرواية».
وكذلك الحال مع الدراما التي هي جنس شعري، نصت عليها بويطيقية أرسطو، لكن
مرونة قالبها لا تسمح لها عند العبور بالصمود أمام الرواية لتصطبغ بصبغتها متقبلة
التموضع والتقولب في حدودها. وإذا كان المتحصل من العبور هو «رواية»، فإن المتحصل
الإبداعي من التداخل هو «رواية درامية» التي هي نوع من أنواع الرواية.
أما «العبور» فيعني تخطي الحد والتجاوز على القالب من أجل إنتاج إبداعي يجسد الأصول
لأجل أن يتجاوزها، وينحو منحى محدداً ليغرس الجديد فيها. والتحلي بهذا النظر
الانفتاحي هو الذي يضع الجنس الأدبي على طريق الاختبار؛ فإما يصيب في عابريته إذا
وجد تعضيدا من جنس أو نوع مؤهل لأن يذوب فيه ويعزز هذا الذوبان طول التجريب فيه.
وإما أن يخيب سعيه في العبور مكتفياً بالتداخل كأحقية علمية تؤهل ذاك الجنس
للمداومة والبقاء، مقتنعاً بالتهجين ليكون ضمن التداخل النصي من قبيل القصة
الممسرحة والقصيدة القصصية.
لا خلاف في أن للتداخل والتعالق قدرة على جعل العبور منطلقا من الأنواع الكتابية
المختلفة إلى الرواية؛ لكنهما وحدهما (أي التداخل والتعالق) قد لا يكونان كافيين لمنح
الرواية سمة العبور ما لم تكن الرواية قد اتسمت بالاحتواء الذي به تستطيع ضم أشكال
وأنواع وأجناس أخرى داخلها. فتندمج بها الرواية القصيرة والمذكرات ورواية اللارواية
والنص المفتوح واليوميات والاعترافات والخواطر والأسطورة والحكاية وغيرها من الأنواع
والأشكال والصور والصيغ السردية، وبالفهم الذي يتجاوز نظريتي الأجناس والتداخل
الأجناسي.
أما مسألة ابتكار أجناس جديدة وليدة، والتنبؤ لها نقدياً بمستقبل زاهٍ، ففيها إشكالية

معرفية وكتابية، هي نفسها الإشكالية مع مسألة القول بموت الأجناس واختفائها
والتعويض بولادة غيرها، لأن فيها تجاهلا لنظرية التداخل الأجناسي وتعطيلا للفهم
النقدي لمنظور العبور البيني لا في جوانبه المعرفية وإنما في جانب العبور بين أجناس
الأدب تحديدا، كقولنا إن الأجناس لا تختفي أو تموت أو تتوالد وإنما هي تتبدل، ومن ثم لا
نتحدث اليوم عن جنسين هما شعر ونثر؛ وإنما نتحدث عن أجناس وأنواع وأشكال وأنماط
مثل (شهادة/ تخييل/ محكي/ سردي/ حوار?.. إلخ).
وهنالك تنظيرات ما بعد حداثية تذهب إلى عدَّ الرواية كتابة انفتاحية حرة، لا يقيدها
تموضع خارجي ليفرض استبداده عليها، ومن ثم لا يتحكم فيها تقعيد يمارس بعنفٍ
رصانته عليها، ولا سيما أصولية التجذر وتوجهاته المصوغة خارج الأدب نفسه.
وقد قدّم «موريس بلانشو» تفسيرات لظاهرة انفتاح الأدب بالعموم، وفي ربط الرواية
بالمجموعات المهمشة والمتشظية دليلٌ على أن نشأة الرواية كانت في الأساس نسوية،
وهو ما كانت قد أكدته «فرجينيا وولف» و«ايان واط» أيضا، وهكذا كتبت الروايةَ «شارلوت
برونتي» و«إميل برونتي» و«جين أوستن» وغيرهن.
ويرى «جيسي ماتز» أن الهجرة والرغبة في العيش في بلد يتصوره البطل يوتوبيا، هي
سبب آخر يجعل الرواية تسير بانفتاحية نحو التشظي معبرة عن مخيال حر لا يعرف
التقعيد. ولأجل التلاؤم مع فوضى الواقع المعيش، تغدو الحبكات الصغيرة عاكسة حالة
التنافر واللاتناظر في الحياة الواقعية. وهذا ما يجعل الرواية اليوم غليظة بالشظايا
والانفصام الكتابي على نحو فوضوي، وهكذا «هشمت الرواية الحديثة الحبكة، وفككت
النهايات، ولونت السرد الروائي بلون الأنماط الحكائية الشائعة في التجارب الحياتية
اليومية». ومثل «جيسي ماتز» برزت «بويلا كاثر» الت? غيّرت طبيعة الكتابة المناطقية
لتكون مشبعة بالواقعية، بدلاً من الكتابة المحلية المدهشة والساحرة عن الحياة السائدة
في المراكز الثقافية الأميركية المهيمنة.
وتنظيرات كثيرة من هذا القبيل، يتقوى بها الاحتجاج ضد التصنيف النوعي ويتزايد
الإيمان بانهيار أي محاولة لتجميد قوالب الأجناس، لأن أي تجميد في القوالب غير قابل
للصمود أمام حاجة العالم إلى التحرر والتغيير واللاتقيد والسيولة، فضلا عن كون المبالاة
بالتصنيف هي من قبيل الخروج عن طريق التخييل والدخول في الواقعية التي لا تقبل
الغرابة في مخالفة المنطق وما تقتضيه طبيعة الأشياء، بينما الأدب في الأصل ليس شيئا
ماديا نلمسه، إنما هو تخييل به ندرك العالم، فنفهمه في تنوعه مألوفية ولا مألوفية،

وندركه في وحدته تضاداً وتوافقاً.
وتظل محاولات التنظير للرواية لتكون مفتوحة بالمطلق تماشيا مع التطور مجرد
افتراضات لا تتوفر على ما ينبغي أن تكون عليه الاصطلاحية الأجناسية من العموم
والاستمرار والصيرورة والتحول. وبالرغم من شيوع بعض تلك المسميات وهيمنتها على
الصعيدين النقدي والأدبي، فإنّ الرواية تبقى جنسا فيه إمكانيات الاحتواء والضم لغيرها
من الأجناس، والسبب هو المرونة التي يتمتع به قالبها تخييليا ومقارباتيا وأليغوريا.
وواحدة من التحديات التي تجعل القصة القصيرة مثلا غير متيسرة بالرغم من قصرها،
هي أهمية فهم مواضعات كتابتها سرديّا. ولأجل جعل هذه المواضعات مقولبة في إطار،
سعى النقاد إلى تقنين قالب الكتابة القصصية القصيرة، لكنهم اختلفوا في تحديده
وتعريفه كجنس لا لبس يطال أجناسيته، ولا شكوك تحوم حوله، وكإنجاز مفروغ منه
توصيفا ودراسة. واتخذ هذا السعي نحو التقنين طابعاً نظرياً يهتم بتجريد العملية
الكتابية، والتعامل مع المنطوقات بجملة قوانين تشرعن الاعتراف بالقصة القصيرة جنساً
أدبياً مستقلاً.
والمدهش أنَّ هذا التوجه في التنظير لأجناسية القصة القصيرة لم يكن مرتبطا بالتنوع
في المذاهب الأدبية أو الاختلاف في التوجهات الكتابية، وإنما بدأ مع بداية التجريب في
كتابتها فنياً في القرن التاسع عشر.
وبسبب تجريبية «جيمس جويس» ومحاولة فهم نظريته حول التجلي أو لحظات الإدراك
الخارق، اقترح «كولن ولسن» لقراء «جويس» أنّ تكون قراءة قصصه تمريناً في الواقعية
الفلوبيرية بوصفها واقعية اللحظات النموذجية من الحياة اليومية التي تعمل عمل آلة
التصوير التي تلتقط التقاطات لفظية، وأنّ في مثل هذه اللقطات يمكن أن نحتوي كل
الحقيقة لأي موقف قائم.
وهذا الذي وصل إليه «جيمس جويس»، جعل «فرانك اكونور» يراه محظوظاً، لأن تجريبه
جعل قصصه تُقرأ كوحدات، لاسيما مجموعته «أهل دبلن» التي تبدو قصصها أجزاءً
لترجمة ذاتية من الطفولة المبكرة، وبالإمكان تضمين أيّ واحدة منها في رواية الترجمة
الذاتية «صورة الفنان في شبابه» التي كتبها «جويس»، هذا إذا لم تكن هذه القصص
-كما يرى «اكونور» - أجزاءً من المسودة المبكرة لهذه الرواية التي تُعرف بـ «بطل
ستيفن»، مؤكداً أن «جويس» توقف عن كتابة القصص بعد نشر هذه المجموعة.

وفي هذا إدراك واع لحقيقة أن هناك تلاقياً في الحدود بين القصة القصيرة والقصة
الطويلة والرواية القصيرة (النوفيلا) والرواية، بما يجعل أمر التمرير الكتابي في ما بينها،
ممكنا وطبيعيا على مستوى التجريب الذي به يتوسع جنس الرواية ليشمل مختلف
الأنواع السردية ويعكس زوايا الواقع المعيش كلها.
ومن السمات التي تدعم قدرة الرواية على العبور سمة التداخل الأجناسي بالتناص
والتعالق والتخالط والكولاج ما نجده في رواية «أبرات» لهيثم بهنام بردى والصادرة عن دار
أزمنة للنشر والتوزيع عام 2018 ،وقد كتب على غلافها «رواية قصيرة»، لكنّ مسألة القصر
ليست هي وحدها التي تحدد أجناسية العمل القصصي؛ وإنما الذي يحددها هو القالب
وما فيه من حدود ومواضعات من قبيل الشمول والمرونة والاحتواء. ومن ثم يظل
التوصيف بـ «رواية قصيرة» محدِّداً النوع الذي احتواه جنس أرسخ منه هو «الرواية» التي
عبرت عليه.
وتتمحور رواية «أبرات» موضوعيا حول ثيمة بحث الذات عن يوتوبيا ضائعة، واعتمدت شكليا
على التداخل الأجناسي أولا بين القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة والمسرحية التي
جاءت في ثلاثة مشاهد، منتقلة ثانية إلى التعالق النصي مع مادة مدرسية من كتاب
المطالعة للصف الأول متوسط، ومنتهية ثالثة بكولاج قصصي هو عبارة عن افتتاح
بصفحتين الأولى والأخيرة مكتوبة بأسطر محددة وما بين هاتين الصفحتين رسومات
وتخطيطات لأشكال آدمية وحيوانية ونباتية وجامدة. وبهذا تصبح النصوص عبارة عن
تخالط نصي يحقق تعالقا ما بعد نصي. والغاية من وراء هذا الت?الط تمازج الشكل
بالمضمون الذي سمح للرواية أن تكون عابرة للأجناس بمرونة ليس فيها تحديد طولي ولا
تقييد تجريبي.


لتحميل تطبيق "شرق" : اضغط هنا






طباعة
  • المشاهدات: 991

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم