حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,21 أكتوبر, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 64052

رِكِبْ راسُهْ

رِكِبْ راسُهْ

رِكِبْ راسُهْ

24-09-2019 10:00 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : المهندس عامر عليوي
بداية يجب ان نعلم أن الاختلاف هو سنة وفطرة كونية، فالاختلاف أمر طبيعي ورد ذكره بالقرآن الكريم فيقول الحق تبارك وتعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين)، وهذا الاختلاف هو من ثوابت نظام الخلق وقانونٌ يعيش في دائرته جميع المخلوقات الكونية فلذا كان من الطبيعي ان نجد الناس مختلفين في افكارهم وسلوكياتهم وعاداتهم وعلينا قبول الآخر الذي يختلف عنا وليس لنا محاولة استنساخه فكرياً إذ أنها محاولة خاسرة فقد خلق الله الناس مختلفين لحكمة وعبرة. وكذلك هو الحوار قائمٌ بين النّاس منذ الأزل، فهو بلا شكّ ضرورة حتميّة فرضتها طبيعة البشر، وفطرتهم المجبولة على التّحدث مع الآخرين، والاستماع إليهم، فالحوار وسيلة لإيصال المعلومة الصّحيحة في حال كان الحوار مستندًا إلى قاعدة علميَّة موضوعيَّة، بعيدًا عن الهوى والميول والتعصب والعاطفة ومستندا الى ثقافة الاختلاف التي تحولت مؤخراً الى خلاف.

المراقب للمشهد العام الذي نعيشه هذه الأيام يلحظ اننا في حالة اشبه ما تكون بقصة "حوار الطرشان" حيث لا مكان للعقل والمنطق في "حوار الطرشان" فلا أرى مكان للعقل والمنطق، بل اتباع هوى القلب والرغبة في الانتصار هي ما يحركنا أمام الآخر، للرد عليه والانتصار بآرائنا، فنسد كل مداخل العقل من حواس سمعية وبصرية، ونبقي منافذاً تغذي رغبة نفوسنا بالانتصار الصفري، إذ لا مكان للآخر فيه، ولا نبقي له باقية.

قصة حوار الطرشان تتلخص بأن أربعة من الطرشان (راعي غنم ومزارع وبائع ملح وقاضي) كانوا يعيشون في قرية فحصل أن أضاع الراعي قطيعه فوجد المزارع متسلقا شجرة فسأله عن القطيع فأجاب الأخير بأن العجوز محدودب الظهر الذي يبحث عنه موجود فوق التلة القريبة، فشكره الراعي وقال له إنه سوف يكافئه بحمل صغير إذا ما وجد ضالته، وعندما وجد الراعي قطيعه جاء إلى المزارع ومعه الحمل الصغير ليعطيه إياه فقال المزارع إنه لم يسرق القطيع! فرد عليه الراعي إنه لن يعطيه أكثر من هذا الحمل، وفي هذا الاثناء مر عليهما بائع الملح وهما يتخاصمان فعرض على كل منهما مقدارا قليلا من الملح رافضا أن يعطيهما كل ما يحمله من ملح! وهكذا اختلف الثلاثة وتعالت أصواتهم، فذهبوا إلى القاضي الذي صادف أن كان واقفا على باب بيته بعد أن طرد زوجته فتشاكوا عنده فردَّ القاضي بعصبيَّة قائلا: أرجع زوجتي؟ هذا مستحيل لن أفعل ذلك أبداً مهما حصل ولا بأي حال من الأحوال! هذه القصة تشير إلى أن بعض المتحاورين يغني كل منهم على ليلاه وكل يتحدث عن موضوع ولا يستمع إلى الآخر، بل يتحدث عما يريد أن يُسمعه للآخرين.
بالمناسبة الطرَش غير الصَمَم، أو هو أَهوَنُ من الصَمَم، الأطرش يسمع قليلاً، خلافاً للأصم الذي لا يسمع مطلقاً، وهذا القليل من السمع يمكِّنه من أن يتعلم الكلام، وأن يتبادله مع سواه، لكنّ المشكلة ان الأطرش لا يسمع الكلام كاملاً ولا واضحاً، لذلك يُضطر إلى تقدير ما لم يسمع، ثم يجيب لا عن كلام الآخر، بل عن الكلام الذي قدَّر أن الآخر قاله، فإذا كان الطرفان كلاهما أطرش، فلابد أن يتحول الحوار بينهما إلى حديثين متقطّعَين يقتربان حيناً، ويبتعدان حيناً، ويستحيل في كل الأحيان وصولهما إلى نتيجة سليمة من ذلك التواصل.
وقبل ان انهي استذكر مقولة جميلة لأستاذ علم الاجتماع العراقي الراحل د. علي الوردي: "ليس العجيب أن يختلف الناس في أذواقهم وميولهم، ولكن العجب أن يتخاصموا من أجل هذا الاختلاف". فكم من مشاجرة أو ملاسنة نشبت بين متحاورين ليس لسبب سوى أنهم لم يدركوا الفارق بين الخلاف والاختلاف.
ما اراه واسمعه يدفعني للتساؤل؛ هل بتنا حقاً بحاجة لطبيب أنف وأذن وحنجرة؟!

لتحميل تطبيق "شرق" : اضغط هنا






طباعة
  • المشاهدات: 64052

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم