19-01-2026 10:29 PM
سرايا - تعد السعادة حالة عاطفية عابرة، مرتبطة بالظروف، لكن هذا لا يعني استحالة السعادة الدائمة. يميز العديد من الخبراء بين الشعور المؤقت بالسعادة وبين الرضا العميق والمستقر. ينظر العديد من الخبراء إلى السعادة كرحلة داخلية وليست وجهة نهائية، فهي رحلة يتم التعلم فيها كيفية تحقيق التوازن بين العواطف والتجارب الإنسانية، بدلاً من التخلص من المشاعر السلبية.
"حفر اليأس"
بحسب ما نشره موقع The Keynote، أُجريت بعض أهم الدراسات المتعلقة بالسعادة على القرود. إن إحدى هذه التجارب هي تجارب هارلو للتعلق التي أجراها عالم النفس هاري هارلو (في خمسينيات وستينيات القرن العشرين)، حيث تم فصل صغار قرود الريسوس عن أمهاتها، ووُضعت لكل منها "أم" بديلة، إحداهما عبارة عن موزع سلكي للحليب، والأخرى عبارة عن قطعة قماش ناعمة. كشفت نتائج الدراسات أن القرود فضّلت بشكل كبير التشبث بقطعة القماش الناعمة للشعور بالراحة، حتى عندما كان الموزع السلكي يوفر الطعام، مما يدل على أهمية الراحة والحب كحاجات أساسية بالإضافة إلى الغذاء. ومن الدراسات المماثلة دراسة هارلو للاكتئاب ("حفر اليأس")، التي أُجريت في جامعة ماديسون، حيث عُزلت قرود في غرف تُسمى "حفر اليأس". حتى القرود التي كانت سعيدة سابقاً أصبحت حزينة في غضون أيام، رافضةً الأكل أو الحركة، إلى أن أُطلق سراحها وعادت إليها السعادة.
سعادة الإنسان
تعد أطول دراسة علمية حول سعادة الإنسان هي دراسة هرفارد لتطور البالغين. انطلقت هذه الدراسة عام 1948، وتابعت أجيالاً متعددة على مدى 88 عاماً (حتى عام 2026) لتحديد ما يُسهم حقاً في حياة مزدهرة ومرضية. وخلصت الدراسة إلى أن أهم عامل للتنبؤ بالسعادة وطول العمر هو جودة العلاقات. فتعزيز الروابط الاجتماعية الوثيقة يُغذي النمو الجسدي والعقلي أكثر من المال أو الشهرة أو الطبقة الاجتماعية أو معدل الذكاء. إن عقول البشر مُهيأة للنمو بفضل التواصل الإنساني. ويمكن أن يكون العزلة المتكررة مُضراً بالعقل والجسم تماماً كالتدخين المُفرط أو السمنة، إذ يُمكن أن يُسرّع من تدهور وظائف الدماغ ويُقصّر العمر. كما توصلت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات مستقرة، حيث يسود التوازن مع شركائهم ويشعرون بإمكانية الاعتماد عليهم في أوقات الحاجة، يتمتعون بذاكرة أوضح لفترات أطول.
"مختبر السعادة"
تُشير دكتورة لوري سانتوس، أستاذة علم النفس في جامعة ييل ومقدمة برنامج "مختبر السعادة"، إلى أن دماغ الإنسان تميل إلى التضليل بشأن مصادر السعادة. يركز بحثها على علم الرفاهية، الذي يُبين أن العديد من الأشياء التي يسعى الإنسان إليها، كالمال أو التفوق الدراسي أو الكماليات، ربما لا تُحقق السعادة والرضا الدائمين اللذين يتوقعهما عادةً.
تفاعل معقد
يتضمن علم الأعصاب الخاص بالسعادة تفاعلاً معقداً بين كيمياء الدماغ. وتتمثل العوامل الرئيسية في الدوبامين (المكافأة/التحفيز) والسيروتونين (المزاج/الرفاهية) والأوكسيتوسين (الترابط/الثقة) ضمن الشبكات العصبية. يُعطي الدوبامين، المعروف بهرمون السعادة، شعوراً مؤقتاً بالمتعة عند تحقيق هدف ما. يُشبه السيروتونين الدوبامين في تأثيره، لكنه يُعطي شعوراً طويل الأمد بالسعادة والرضا. وقد رُبط انخفاض مستويات السيروتونين بالإحباط وانخفاض مستويات الطاقة. إن هناك العديد من الطرق لزيادة مستويات السيروتونين في الجسم بشكل طبيعي، منها: التعرض لأشعة الشمس، وممارسة الرياضة بانتظام، وتناول الأطعمة الغنية بالتريبتوفان، الذي يُساعد على إنتاج السيروتونين والميلاتونين، وهما ضروريان للنوم.
"الرغبة الخاطئة"
يُعاني البشر من ظاهرة تُعرف باسم "الرغبة الخاطئة"، وهي الرغبة في أشياء لا تُحسّن السعادة في الواقع، مثل الثروة الطائلة التي تتجاوز بكثير مستوى الدخل المُريح. في الكثير من الأحيان يرغب البعض في أشياء لا يحتاجونها لأن أدمغتهم عرضة لعدة تحيزات معرفية، ممكن أن تبالغ في تقدير مدة الشعور بالسعادة أو الحزن تجاه أمر ما، وتعتاد بسرعة على الأشياء الجديدة مما يؤدي إلى انطفاء شرارة الحماس الأولية قبل الأوان، وتركز بشكل مفرط على شيء واحد يريدونه متجاهلين جوانب حياتهم اليومية الأخرى التي لا تزال تجلب السعادة، وتقيس السعادة بناءً على آراء الأقران أو وسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من الاحتياجات الموضوعية، مما يصرف الأشخاص عن البحث عن الإيجابية الداخلية. مع أن الرغبة في أشياء لا يحتاجها الشخص ميل بشري طبيعي تماماً لا يمكن التخلص منه تماماً، إلا أنه يمكن التخفيف من آثاره باتباع عدد من الاستراتيجيات، منها ممارسة اليقظة الذهنية.
اليقظة الذهنية
تزداد أهمية اليقظة الذهنية وشهرتها في السنوات الأخيرة، نظراً لدورها في الصحة النفسية وعلم النفس. من خلال تحقيق السلام بين العقل والجسد، يمكن أن تتغير النظرة للعالم بشكل جذري، وستبدأ برؤية كل شيء في الحياة بطريقة مختلفة. يجب أن يُذكر الشخص نفسه باستمرار بأنه كافٍ كما هو بدلاً من تذكير نفسه بما ينقصه. وأن يتذكر الشخص دوماً بأن الثروة والمكانة ليستا أهم ما في الحياة، بل ما يهم هو مواهب الشخص الإبداعية وأهدافه الشخصية.
نظرة أكثر إيجابية
إن تجربة أشياء جديدة، حتى لو لم يكن الشخص يعتقد أنه سيحبها، ربما تجعله أكثر سعادة. تميل التجارب الجديدة إلى تحفيز إفراز الدوبامين في الدماغ، مما يُحسّن الصحة النفسية. كما أن الخروج من منطقة الراحة يُنمّي شعوراً بالشجاعة، ويزيد الثقة بالنفس، ويُعزز الشعور بقيمة الذات. كما تبين أن ارتفاع تقدير الذات يزيد من الكفاءة في الأنشطة اليومية، مما يؤدي بدوره إلى سلسلة من النتائج الإيجابية. عندما يتمتع الشخص بنظرة أكثر إيجابية، تزداد احتمالية تحقيق أهدافه.
متاهات الإنترنت
تُقدم الطبيعة بعضاً من أقوى الفوائد، ففي عصرٍ يقضي فيه الإنسان معظم وقته على هواتفه وحواسيبه، يسهل الانجراف في متاهات الإنترنت ونسيان ما كان يبحث عنه أصلاً. من خلال أخذ قسط من الراحة من الإنترنت، الذي يمكن أن يكون مليئاً بالسلبيات، يمكن أن يجد الشخص نفسه في مكان هادئ حيث يمكنه تخصيص وقت لنفسه. أظهرت دراسات عديدة وجود علاقة إيجابية بين قضاء المزيد من الوقت في الطبيعة وعوامل الصحة النفسية الإيجابية، مثل تحسين التركيز وتقليل التوتر وتحسين الحالة المزاجية والحد من مخاطر الإصابة باضطرابات نفسية. ومن أفضل الطرق لتحقيق ذلك التنزه في حديقة قريبة من المنزل، مع الحرص على الحد من استخدام الهاتف.
"دائرة السعادة"
يمكن أن تبدو هذه الاستراتيجيات بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع ذات فوائد جمة لمختلف أنواع البشر. يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في ما يُعرف بـ"دائرة السعادة"، حيث تعود مستويات سعادة الشخص عموماً إلى مستوى ثابت مع مرور الوقت. وتوصلت الدراسات إلى أن هذا يمكن أن يتحدد بعوامل وراثية وبيئية، ولكن للخروج من هذا المأزق، ينبع جزء كبير من السعادة من الخيارات الشخصية، مثل أعمال الخير والتواجد في الطبيعة.
باختصار، يمكن أن تكون السعادة شعوراً مراوغاً يصعب اكتسابه بشكل دائم، لكنها ليست غاية، بل رحلة. إن الاهتمام بالنفس وتغيير حتى أبسط الأمور في نمط الحياة، يساعد في فتح الطريق إلى السعادة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
19-01-2026 10:29 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||