قراءة سريعة لخطاب القذافي في الأمم المتحدة ..

منذ 17 سنة
المشاهدات : 12842
قراءة سريعة لخطاب القذافي في الأمم المتحدة  ..

 

     اشتهر العقيد معمر القذافي، بخطاباته التي يتوجه فيها دائما الى الشعوب ، اكثر من كونه يوجهها للقادة ، لذلك اتبع فيها الاسلوب الشعبي ، فكانت الصراحة والجرأة ، البعيدة عن لغة الدبلوماسية ، والواضحة الفهم للشعوب ، وبالاخص الشعوب العربية ، هي السبب في الصبغة الكوميدية التي ترافقها دوما .

 

     في خطابه بالامس امام الجمعية العامة للامم المتحدة ، شدت كلمات الزعيم الليبي المواطن العربي العادي ، ودفعته لمتابعة الخطاب حتى نهايته ، بغض النظر عن الجدل الذي سيثيره ذلك الخطاب ، بين مشكك في سلامة مواقفه وثباتها ومؤكد على تقلبها ، وبين من يثني عليها كونها تعبر عن مكنونات الشعب العربي ، وبغض النظر عن كل ذلك وعن التقييم الشعبي العربي للعقيد القذافي ، الا انه لم يبتعد عن المنطق في كثير من المواضيع التي تطرق لها .  

 

     لقد تحدث العقيد القذافي عن ميثاق الامم المتحدة ، الذي يعتبر الدول جميعا سواسية ، لكن وجود مجلس الامن وممارساته ينفي هذا البند ، من خلال تكريس هيمنة الدول الكبرى دائمة العضوية ، واستخدام مجلس الامن كشرطة دولية لتحقيق مصالحها ، وهذه حقيقة يؤيدها المنطق ، وكأني بالامم المتحدة ، صورة مصغرة عن مجتمعات دول العالم الثالث ، التي تؤكد دساتيرها جميعا ، ان جميع المواطنين متساوون بالحقوق والواجبات ، بغض النظر عن الجنس واللون والدين ، لكن هل هذا فعلا مطبق في هذه الدول ؟ وهل ليبيا لا تشذ عن هذه القاعدة ؟  

 

     كما ان الامم المتحدة ، بجمعيتها العامة ومجلس امنها ، صورة مصغرة ايضا عن بعض الانظمة ، التي تدعي الديمقراطية ، فتسمح لبعض مؤسسات المجتمع المدني ، ان تصبح متنفسا للغضب الشعبي ، لكن اجهزتها الامنية ، ومن خلال ممارساتها ، لا تعترف بوجود الديمقراطية ، تماما كما اصبحت الجمعية العمومية للامم المتحدة ، متنفسا لشعوب دول العالم الثالث وقادتها ، للتنفيس عن الغضب من ممارسات الدول الكبرى ، وممارسات جهازها الامني القمعي وهو مجلس الامن .

 

     تحدث العقيد القذافي عن ضرورة عدم التدخل في شؤون انظمة الحكم ، سواء كانت هذه الانظمة ديكتاتورية او اشتراكية او رأسمالية ، وهذا منطقي بالنسبة للبندين الاخيرين ، لكن التدخل الدولي مطلوب لردع الانظمة الديكتاتورية ، انسجاما مع المفاهيم الانسانية ، التي تقضي باحترام حقوق الانسان ، وتقضي ايضا بتشجيع ودعم المسيرة الديمقراطية لشعوب العالم ، وهذا يقتضي عدم الكيل بمكيالين في هذا الشأن ، فلا تتقاضى الدول الكبرى عن انظمة ديكتاتورية ، لانها تسير بفلكها وتحقق مصالحها ، وتضطهد انظمة اخرى ، لان لها توجهات معادية لها ، حتى لو كانت تسير في المسار الديمقراطي ، وكلنا يعلم موقف امريكا من دول في امريكا اللاتينية ، اختارت ديمقراطيا انظمة حكمها ، لكنها تعرضت للتامر عليها ، فقط لانها لا تسير في فلكها ، وفي هذا الشأن ، كان الاجدى ان يطلب من مؤسسات الامم المتحدة ، ومنها محكمة العدل الدولية ، ان تتعامل بالمساواة مع جرائم ارتكبت ضد الانسانية ، وان تمارس تحقيقاتها بكل هذه الجرائم ، وليس بشكل انتقائي ، وهذا لا يعني الدفاع عن انظمة قمعية او تنظيمات اجرامية لاحقتها تلك المحكمة .

 

     لقد ابهج العقيد القذافي الشعوب ، بحديثه عما يسمى وباء انفلونزا الخنازير ، وهو ايضا حديث منطقي ، ما دمنا لا نمتلك الحقائق العلمية ، فهذا الوباء المزعوم لم يقنع اغلبية الناس انه فعلا وباء ، وهو الحلقة الثالثة من مسلسل الاويئة العالمية ، بعد جنون البقر وانفلونزا الطيور ، وسوف تتوالى حلقات المسلسل تباعا ، لنشهد اسماء جديدة ، تساهم في انعاش شركات الادوية العالمية ، على حساب شعوب العالم الثالث .

 

     واخيرا وليس اخرا ، جدد العقيد القذافي دعوته لانشاء دولة اسراطين ، وهي اسم جاء مناصفة بين اسرائيل وفلسطين ، وبغض النظر عن تاريخ المشروع ، الذي يقال بانه طرح عام 1937 من قبل مواطن فلسطيني ، وبغض النظر عن الاسم ، سواء كان اسراطين او فلسئيل ، فقد سبق طرح مثل هذا المشروع من قبل بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية اليسارية ، مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ، وربما تبنته حركة فتح في فترة ما ، واستمر هذا الطرح على ما اذكر ، الى اواسط السبعينات ، ولا اعلم كيف اختفى لاحقا ، وكان هذا الطرح بصيغة دولة فلسطينية ديمقراطية علمانية ، يعيش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون على قدم المساواة ، وهو بالطبع يلغي اسم اسرائيل ويبقي على اسم فلسطين ، كما يبقي على اليهود الذين هاجروا اليها حتى ذلك التاريخ ، ويبدو ان عدم متابعتي لمسار هذا الشعار ، افقدتني حقيقة مصيره ، لكنني كما هم اهل الشأن من الفلسطينيين ، لا نعتقد بامكانية تحقيقه ، كشكل متقدم من اشكال الحل السلمي ،  يحفظ الكرامة العربية ، وبالتالي فان حل الدولتين المطروح حاليا ، فلسطينيا وعربيا ودوليا ، هو الذي يجب ان تجمع عليه الامة العربية .  

 

 

m_nasrawin@yahoo.com

 

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم