09-09-2009 04:00 PM
يداهمني شهر رمضان كل عام بفيض غريب من المشاعر الغريبة التي تهذب تصرفاتي وأشعر بتغير كبير في أحاسيسي، وتفكيري، حتى أني أميل لقراءة نوع خاص من الكتب التي تهتم في التاريخ ، وأشعر بمتعة هائلة وأنا أقرأ القرآن الكريم بتمعن لا يحدث سوى في رمضان، حتى عزوبيتي يصبح لها وقع صعب في رمضان فكم يخالجني شعور خفي بأن تتصل بي زوجة تطلب مني جرجير أو خس ومكونات السلطة أو تسأل عن تأخري بعد صلاة المغرب وتستشيرك قبل هذا الوقت في طبق الفطور، وتتعجل معها للتسوق لشراء ملابس العيد .وإن كنت أحمد الله أني أعزب في عيد الفطر لأني أجد نفسي غير مقيد مثل أصدقائي المتزوجين.
بصراحة هذه المداهمات ليست دينية فقط يشعرك رمضان بشهر مختلف إننا أمام جو حميمي يغير الناس وصفاتهم وحتى تعاملهم ، فتعمرني الفرحة وأنا أشاهد أولاد حارتنا وقد أصابهم نسك جديد فيرتدون الدشداش وغطاء رأس إسلامي احتفظوا به منذ ذهاب جارنا أبو محمد إلى الحج، وارى مصاحف المسجد قد أزيل عنها الغبار المتراكم بعدما بدأت الأيدي تتلقفها ، وأظن أن الكثير ممن أشاهدهم تذكروا دفع جزء يسير من صدقاتهم وزكاتهم وهذا ما تظهره الطرود الكرتونية التي تدخل بيوت الفقراء. وصوت قرآن يخرج من محل سيديهات حقا من الجميل أن يغادر ذلك المكان صوت تامر حسني لنستمع لصوت احمد العجمي وبعد سنوات صرنا نسمع الشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرمين واليوم انتشر صوت الشيخ ماهر معيقلي والعفاسي .تلك المشاعر تشعرني بطمأنينة وراحة راجيا من الله أن يديم هداه ويقلب صفحات القران في عيون من أراهم .
رمضان في الماضي كان أكثر بهجة خالي من الفضائيات ، كنا نعلق فوانيس بسيطة ، ونشاهد حلقات جميلة من ألف ليلة وليلة فنشاهد العملاق الذي يخرج من الفانوس وحتى المسلسلات الرمضانية القديمة الخاصة في غوار وفطوم وحسني وابو صياح كانت تلتصق في هذا الشهر ، ومن ثم تعلقنا في المسلسلات المصرية كالفوزاير أو رأفت الهجان وقصر الشوق وأذكر أننا بدأنا نذهل في المسلسلات السورية التراثية مع بداية التسعينات من القرن الماضي وخاصة قديمة الحدث مثل أخوة التراب وأبو كامل ، وليالي الصالحية أما في الأعوام الأخيرة فتشعر بندم كبير حينما تتابع أي مسلسل رمضاني لأنك تشعر أنه سلق سلقا ولم تشاهد سوى ديكورات وألبسة قديمة .
في الحقيقة أجمل مشاعر رمضان تبدأ بعد صلاة العصر حيث تبدأ الساعات الأخيرة فتسير الوجوه المشرقة التي تنظر إلى ساعتها عدة مرات في الدقيقة الأخرى ، ومن ثم تخرج ورقة صغيرة مكتوب عليها أوقات الأذان لشهر رمضان فيتأكدون للمرة المئة من وقت أذان المغرب، في الشارع البسيط يمتلئ انفك من رائحة القطائف والتمر هندي وتبدأ الناس في التوجه إلى بيتها .
اصعد دوما إلى السطح وأرى الشوارع الساكنة والمفرغة من الضجيج ، انظر بسرعة حولي متخيلا سفر الناس وحكمة الله الذي وحدة الأمة ولوا على وجبة طعام ، أتوجه مسرعا لشرب فنجان قهوة مع ثلاثة حبات حال سماعي صوت مؤذن المغرب .
الأيام الخمسة عشر الأولى من رمضان هادئة تتحول إلى أيام اكتظاظ وهذا ما تلحظه بسهولة أثناء توجهك إلى صلاة التراويح ، ومع أن الأيام العشر الأواخر الأكثر أجرا عند الله إلا أن المسجد بدأ يفقد الكثير من المصلين ، أظن أن بعضهم فقد حماسه الروحي المفاجئ ، وآخرون توجهوا إلى السوق لشراء حاجياتهم والأكثر بهجة أن المسجد يفرغ من إزعاج أطفال صلاة التراويح الذي لا أراهم بعدها سوى في ليلة القدر .
مشاعر جميلة لا تعود إلي سوى مع بدء رياح الشتاء و سقوط مروع لأوراق الشجر مع أول منخفض جوي شتائي، فأنا أكره الصيف وضجيج الصيف مثلما اختلف عن كل هذا العالم باني لا أحب العيد ليس لأنه روتيني لم تتغير مراسمه منذ عشرين عاما بل لأنه يخطف مني رمضان وصلاة التراويح وساعة الغروب .
قلت أن العزوبية مؤلمة في رمضان حينما تكون وحيدا في ساعات جميلة جدا تحتاج من يشاركك بها خارج نطاق والدين مشغولان بحمد الله بالعبادة ، ولكن ثمة معزوفة أشد حزنا لا تغادرني في رمضان كيف السحور والفطور للفقراء ، كيف تسقط دمعة طفلة حينما تسمع من أمها أن هذا العيد سيكون دون أواعي العيد ، ما هو شعور امرأة وحيدة ليس لها من يدق بابها في صباح العيد أو رجل ذهب إلى صلاة العيد بجيبة فارغة أو طفل يعرف مقدما أن أعمامه وأخواله لن يأتوا ليضعوا بجيبه عيدية ، لأقول أشد ألما كيف يشاهد الفقراء الملاهي والألعاب والثياب الجديدة وهم لا يستطيعون الاقتراب منها حتى في العيد .
رمضان والشتاء والغروب والليل أجواء جميلة جدا يفسدها علي عواء الفقر وأهات الأطفال وصدى سقوط دمعاتهم ونفخات من صدور متسحرة تكاد تحرقني . ليت هذا العالم دون فقر كيف استمتع بما لذ وطاب أثاء فطوري وسحوري وهناك في مكان ما حول معدة طفلة فارغة .
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
09-09-2009 04:00 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||