13-04-2026 09:00 PM
بقلم : اللواء الركن م/ طلال الغبين
المنطقة تتغير بسرعة، والتحالفات القديمة لم تعد كما كانت.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الأردن أمام سؤال صعب: كيف يحمي مصالحه دون أن يتحول إلى جزء من الاستقطاب؟
في الشرق الأوسط، لا تبقى التحالفات ثابتة طويلاً.
فما يبدو اليوم شراكة راسخة قد يتحول غداً إلى تفاهم مؤقت، وما يبدو خصومة دائمة قد ينتهي إلى تسوية تفرضها المصالح.
الحرب الأخيرة لم تغيّر فقط شكل المواجهة في المنطقة، بل أعادت تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك فيها الدول. فالقوى الكبرى أصبحت أقل استعداداً للانخراط المباشر، والدول الإقليمية باتت تبحث عن بدائل تقلل من اعتمادها على طرف واحد، بينما تتجه المنطقة نحو مرحلة تقوم على تنويع الشراكات بدلاً من الارتهان لتحالفات تقليدية مغلقة.
أظهرت الحرب الأخيرة أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد كافياً كما كان في السابق. فالدول الخليجية التي استضافت قواعد أمريكية وجدت نفسها في الوقت ذاته عرضة لأن تكون جزءاً من أي رد إيراني محتمل، بينما اتضح أن الحماية الأمريكية لا تمنع بالضرورة انتقال التوتر إلى أراضي هذه الدول أو تهديد منشآتها الحيوية. وهذا ما دفع عدداً من العواصم الخليجية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن التقليدي القائم على الاعتماد على واشنطن وحدها.
وفي المقابل، بدأت المنطقة تتجه نحو بناء شبكات أكثر مرونة تقوم على تعدد الشركاء. فالسعودية والإمارات وقطر ودول أخرى لم تعد تكتفي بالشراكة مع الولايات المتحدة، بل توسعت في بناء علاقات مع تركيا وباكستان والهند، إلى جانب الإبقاء على قنوات مفتوحة مع إيران لتخفيف احتمالات الصدام المباشر.
ضمن هذه البيئة، تبدو مقاربة الأردن مختلفة بطبيعتها. فالأردن لا يستطيع الدخول في محور حاد أو الاصطفاف الكامل خلف طرف واحد، لأن حدوده مع فلسطين وسوريا والعراق والسعودية تجعل أي انحياز كامل مصدراً لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية في الوقت نفسه.
ولهذا، تبدو السياسة الأردنية أقرب إلى بناء تحالفات وظيفية لا تحالفاً شاملاً. فقد يتقاطع الأردن مع دولة في ملف الطاقة، ومع أخرى في الأمن، ومع ثالثة في التجارة والنقل، دون أن يكون جزءاً من محور سياسي مغلق. وهذا النموذج يمنح عمّان مساحة أوسع للمناورة ويحافظ على قدرتها في التعامل مع بيئة إقليمية متغيرة.
العلاقة مع السعودية والإمارات والعراق ستبقى حجر الأساس في أي رؤية أردنية مستقبلية، ليس فقط لأنها تمثل عمقاً سياسياً، بل لأنها ترتبط بالطاقة والاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار وربط البنية التحتية. وهنا تبرز أهمية العراق بالنسبة للأردن. فالعراق لا يمثل فقط سوقاً اقتصادياً كبيراً، بل يمثل أيضاً بوابة استراتيجية لربط الخليج ببلاد الشام. وكلما تطورت مشاريع الربط الكهربائي وخطوط النقل والطرق البرية بين الأردن والعراق، زادت أهمية الأردن كدولة عبور ومركز لوجستي إقليمي.
وفي الوقت نفسه، فإن أي استقرار تدريجي في سوريا سيعيد فتح ملفات النقل البري والتبادل التجاري وإعادة الإعمار، وهي ملفات يملك الأردن فيها أفضلية جغرافية واضحة. لكن استمرار الفوضى في الجنوب السوري، ووجود جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومراكز نفوذ محلية، يجعل الحدود الشمالية واحدة من أكثر الجبهات حساسية بالنسبة للأردن، ويجعل أي استقرار مستقبلي في سوريا فرصة أمنية واقتصادية في آن واحد.
وفي موازاة ذلك، سيحافظ الأردن على علاقته الأمنية مع الولايات المتحدة، لكن بصورة أكثر حذراً. فالتحالف مع واشنطن سيبقى مهماً في مجالات التسليح والتدريب والاستخبارات والدفاع الجوي، لكنه لم يعد كافياً وحده لضمان الأمن الإقليمي. أما العلاقة مع تركيا، فقد تصبح أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا توسع الدور التركي في سوريا أو في ترتيبات الأمن الإقليمي والنقل والطاقة. كما أن تركيا باتت تملك حضوراً متزايداً في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة، ما يجعلها شريكاً مهماً لبعض دول المنطقة.
وفي المقابل، لا يستطيع الأردن تجاهل تأثير إيران على توازنات المنطقة. فالنفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان يجعل أي تصعيد إقليمي ينعكس مباشرة على الأمن الأردني، وهو ما يدفع عمّان إلى تجنب المواجهة المباشرة، مع الحفاظ على قنوات تمنع انتقال التوتر إلى حدوده ومحيطه.
لكن قدرة الأردن على المناورة الخارجية ستبقى مرتبطة بقدرته على تعزيز جبهته الداخلية. فالدولة التي تعاني من ضغوط اقتصادية كبيرة، وارتفاع في الدين العام، وتحديات المياه والطاقة والبطالة، ستكون أقل قدرة على الحركة في بيئة إقليمية مضطربة. فكلما ازدادت قدرة الأردن على تحقيق الاكتفاء النسبي في الطاقة والمياه والغذاء، ازدادت قدرته على اتخاذ قراراته الخارجية بحرية أكبر.
وفي الوقت نفسه، تغير الدور الأردني في المنطقة. فالمملكة لم تعد فقط دولة تحاول حماية حدودها، بل أصبحت وسيطاً، وممراً لوجستياً، وشريكاً أمنياً، ومركز ربط للطاقة والنقل بين الخليج والعراق وبلاد الشام.
التحدي الحقيقي أمام الأردن لا يكمن في اختيار محور ضد آخر، بل في بناء شبكة مصالح تجعل جميع الأطراف بحاجة إليه.
ففي مرحلة تتراجع فيها التحالفات التقليدية، لن تكون قيمة الأردن في حجمه، بل في قدرته على أن يصبح دولة لا يمكن تجاوزها في معادلات الأمن والطاقة والنقل والاستقرار.
الأردن لا يحتاج إلى الانضمام إلى محور، بقدر ما يحتاج إلى أن يصبح ضرورة لكل المحاور.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
13-04-2026 09:00 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||