12-04-2026 08:42 AM
بقلم : د. علي فواز العدوان
في هندسة ما بعد الحرب، لا تبدو واشنطن معنية فقط بإنهاء المواجهة العسكرية مع إيران، بقدر ما تسعى إلى احتكار تعريف نهاية الحرب نفسها: من يربح، من يخسر، ومن يعيد رسم خرائط الردع والنفوذ في الإقليم.
ومع دخول الحرب مرحلة وقف إطلاقا النارومفاوضات أمريكيةإيرانيةمباشرة في إسلام اباد، تكشف التطورات أن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية انتقلت من سقف إسقاط النظام وإنهاء البرنامج النووي إلى أهداف أكثر براغماتية تتعلق بتقليص القدرات الجوية والبحرية والصاروخية الإيرانية، وحماية مسارات الطاقة والملاحة.
هذا التحول يتقاطع موضوعيًا مع مصالح عدد من الدول العربية التي ترى في إضعاف النفوذ الإيراني فرصة لإعادة التوازن في ساحات العراق ولبنان وسوريا واليمن، ووقف الضغط المستمر على الأمن الوطني العربي عبر الأذرع المسلحة والوكلاء. لكن هذا التقاطع، رغم ما يحمله من مكاسب آنية، يفتح في المقابل سؤالًا أخطر يتعلق بمن سيملأ الفراغ الاستراتيجي بعد تراجع إيران.
المعضلة هنا أن الولايات المتحدة تنظر إلى ما بعد الحرب بمنطق إدارة التهديد لا استئصاله فهي تريد إيران أقل قدرة على تهديد القواعد الأمريكية والخليج ومضيق هرمز، لكنها لا تريد انهيارًا كاملاً يفتح المجال لفوضى جيوسياسية أو سباق تسلح غير منضبط. في المقابل، تميل إسرائيل إلى تحويل لحظة الضعف الإيراني إلى إعادة هندسة أمنية للإقليم تضمن تفوقها طويل المدى، ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا واستخباراتيًا أيضًا.
من هنا يبدأ التماس الحساس مع المصالح العربية. فبعض العواصم العربية ترى في تقليص الدور الإيراني مصلحة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى نظام إقليمي مختل تمسك إسرائيل بمفاصله الأمنية. هذه المفارقة قد تجعل بعض الدول العربية بين خيارين أحلاهما مرّ: المظلة الأمريكية الإسرائيلية من جهة، وخطر الارتداد الإيراني عبر الوكلاء من جهة أخرى.
الأخطر أن طهران، حتى في حال تراجعها ميدانيًا، لن تتعامل مع الخسارة باعتبارها نهاية الصراع، بل ستنقل المواجهة إلى مستوى الحرب غير المباشرة. هنا سيُعاد تفعيل الوكلاء في العراق، ومحاولة ترميم شبكات النفوذ في لبنان، وتوسيع الضغط البحري من البحر الأحمر إلى الخليج، مع احتمالات عالية لتوظيف الأدوات السيبرانية، والاقتصادية، والبيئات الاجتماعية الهشة في بعض الدول .
من وجهةنظري، فإن تقاطع الأهداف الأمريكية مع مصالح بعض القوى العربية والإقليمية، بما فيها إسرائيل، لا يفتح باب السلام بقدر ما يفتح مرحلة صدامات أمن قومي مؤجلة فإيران لن تقبل خسارة مجالها الحيوي دون رد، وإسرائيل ستسعى لتثبيت تفوقها، بينما ستجد الدول العربية نفسها في قلب مسرح ردع متحرك ومتعدد الجبهات.
اعتقد أن نهاية الحرب على إيران قد لا تكون نهاية الأزمة، بل بداية صراع جديد على شكل الإقليم وتوازناته؛ صراع عنوانه من يملك حق إدارة الفراغ: العرب، أم واشنطن، أم إسرائيل، أم إيران عبر وكلائها.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
12-04-2026 08:42 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||