حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,11 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 9742

د. هيثم علي حجازي يكتب: إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية: هل تقلل من سلبيات البيروقراطية ؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية: هل تقلل من سلبيات البيروقراطية ؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية: هل تقلل من سلبيات البيروقراطية ؟

11-04-2026 09:45 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
تواجه المؤسسات الحكومية في كثير من الدول، ومنها الأردن، تحديات متزايدة تتعلق بسرعة الإنجاز، وجودة الخدمات، ورضا المواطنين. وفي قلب هذه التحديات تبرز البيروقراطية بوصفها واحدة من أكثر المشكلات تعقيدا وتأثيرا على كفاءة العمل الحكومي. ومن هنا، أصبحت إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية خيارا مطروحا بقوة باعتباره أداة إصلاحية تهدف إلى تحسين الأداء وتقليل التعقيدات الإدارية. لكن السؤال الأهم هو: هل تؤدي إعادة الهيكلة فعلا إلى تقليل سلبيات البيروقراطية؟
إعادة الهيكلة هي عملية تنظيمية وإدارية تهدف إلى مراجعة بنية المؤسسة الحكومية، وآليات اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات، وسير الإجراءات الداخلية، بما ينسجم مع الأهداف الجديدة للدولة ومتطلبات المجتمع. وقد تشمل هذه العملية دمج إدارات متشابهة، أو إلغاء وحدات إدارية غير فاعلة، أو تطوير الأنظمة التقنية، أو إعادة تعريف الأدوار الوظيفية. وفي الوقت ذاته، فإن إعادة الهيكلة لا تقتصر على التغيير الشكلي، بل يفترض أن تكون مدخلا لإصلاح أعمق يمس الثقافة المؤسسية، وطريقة تقديم الخدمات، ومستوى التنسيق بين الجهات المختلفة.
حين تُذكر البيروقراطية، يتبادر إلى الذهن بطء الإجراءات، وتعدد الموافقات، وتشابك الاختصاصات، وتعقيد المعاملات. وفي الحقيقة، فإن، البيروقراطية لم تكن في يوم من الأيام مفهوما سلبيا، إذ أنها أصلا تهدف إلى ضبط العمل، وضمان العدالة والمساءلة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأنظمة واللوائح إلى عائق أمام الإنجاز بدلا من أن تكون وسيلة لتنظيمه، وحين تتضخم الهياكل الإدارية، وتتكرر الصلاحيات، وتغيب المرونة، ويصبح الموظف مقيدا بسلسلة طويلة من الإجراءات التي تؤخر اتخاذ القرار وتضعف الإنتاجية.
من الناحية النظرية، يمكن لإعادة الهيكلة أن تسهم بشكل كبير في تخفيف سلبيات البيروقراطية إذا نُفذت وفق رؤيا واضحة. فهي تساعد على: (1) تبسيط الهيكل الإداري. فحين يتم تقليص عدد المستويات الإدارية، يصبح اتخاذ القرار أسرع، وتقل حلقات المراجعة والاعتماد، مما ينعكس مباشرة على سرعة الإنجاز (2) توحيد الاختصاصات. فكثير من المؤسسات تعاني من تداخل في المهام بين الإدارات، مما يسبب تضاربا في المسؤوليات وتأخرا في المعالجة. وبالتالي، فإن إعادة الهيكلة تتيح توزيعا أوضح للأدوار وتمنع الازدواجية (3) تحسين الكفاءة التشغيلية. فإعادة النظر في الإجراءات المتبعة تكشف مواطن الهدر والبطء، وتفتح المجال لتطوير نماذج عمل أكثر مرونة وكفاءة (4) دعم التحول الرقمي. فغالبا ما تترافق إعادة الهيكلة مع اعتماد الأنظمة الإلكترونية والخدمات الرقمية، وهو ما يقلل المعاملات الورقية، ويختصر الوقت، ويحد من التعقيد الإداري (5) تعزيز المساءلة والشفافية. فعندما تكون المسؤوليات محددة بوضوح، يصبح من السهل تقييم الأداء ومحاسبة المقصرين، وهو ما يحد من التهرب الإداري الذي يغذي البيروقراطية.
لكن هل تكفي إعادة الهيكلة وحدها؟ الإجابة: لا. فإعادة الهيكلة لا تؤدي تلقائيا إلى تقليل البيروقراطية، إلا إذا ارتبطت بإصلاحات حقيقية في الفكر الإداري والثقافة التنظيمية. فكثير من محاولات الهيكلة تفشل لأنها تكتفي بتغيير المسميات أو دمج الإدارات دون معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة. وقد تتحول إعادة الهيكلة أحيانا إلى عبء إضافي إذا نُفذت بشكل متسرع أو غير مدروس، فتنتج عنها حالة من الارتباك، أو مقاومة داخلية من الموظفين، أو زيادة في التعقيد بسبب غموض الأدوار الجديدة.
وحتى تحقق إعادة الهيكلة أهدافها، لا بد من توافر عدد من الشروط الأساسية، من أبرزها: (1) وجود رؤيا استراتيجية واضحة ومحددة الأهداف (2) مراجعة الأنظمة واللوائح التي تتسبب في عرقلة العمل بالتوازي مع التغيير الهيكلي (3) تمكين القيادات الإدارية ومنحها صلاحيات حقيقية (4) تدريب الموظفين على الأدوار الجديدة وآليات العمل الحديثة (5) توظيف التقنية بشكل فاعل من أجل تبسيط الإجراءات (6) قياس أثر التغييرات على جودة الخدمة وسرعة الإنجاز.
وبالتالي، فإن الهيكلة الناجحة ليست مجرد قرار إداري، بل مشروع إصلاحي متكامل يحتاج إلى تخطيط ومتابعة وتقييم مستمر.
في النهاية، لا يُقاس نجاح إعادة الهيكلة بعدد الإدارات التي تم دمجها أو المناصب التي أُلغيت، بل بمدى التحسن الذي يشعر به المواطن عند طلب الخدمة. فإذا أصبحت الإجراءات أسرع، والخدمة أوضح، والتواصل أسهل، فإن ذلك يعني أن الهيكلة قد حققت هدفها. أما إذا بقيت المعاملة تدور في الحلقة نفسها، فإن المشكلة لا تزال قائمة وإن تغيرت العناوين.
إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية يمكن أن تكون خطوة فاعلة في الحَدِّ من سلبيات البيروقراطية، لكنها ليست حلا سحريا بحد ذاتها. ويعتمد نجاحها على عمق التغيير، وجرأة الإصلاح، والقدرة على تحويل المؤسسة من كيان إداري مثقل بالإجراءات إلى جهة خدمية مرنة تستجيب لحاجات المجتمع بكفاءة وسرعة.
وفي عصر تتسارع فيه التوقعات وتزداد فيه الحاجة إلى حكومات أكثر كفاءة، لم يعد المطلوب مجرد إعادة ترتيب الهياكل، بل إعادة بناء فلسفة العمل الحكومي نفسها على أساس الخدمة، والمرونة، والنتائج.











طباعة
  • المشاهدات: 9742
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-04-2026 09:45 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم