حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,5 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7095

د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع: تشتد العواصف… والدبلوماسية تصنع الدرع الصامد

د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع: تشتد العواصف… والدبلوماسية تصنع الدرع الصامد

د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع: تشتد العواصف… والدبلوماسية تصنع الدرع الصامد

05-04-2026 08:17 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. أيمن الخزاعلة
شهد الأسبوع الممتد من نهاية شهر آذار وبداية نيسان 2026 حراكاً أردنياً كثيفاً على مختلف المستويات، عكس قدرة الدولة على إدارة توازنات دقيقة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تصدر المشهد الملكي واجهة الأحداث بنشاط دبلوماسي وأمني مكثف يمكن توصيفه ضمن إطار "الدبلوماسية الاستباقية متعددة المسارات"، إذ استهل الملك الأسبوع باستقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في عمان، في خطوة ذات أبعاد تتجاوز البروتوكول إلى إعادة تموضع الأردن في قلب التفاعلات الجيوسياسية العالمية، خصوصاً في ظل اشتباك الملفات الأمنية والدفاعية العابرة للإقليم. هذا الحراك توازى مع قمة أردنية سعودية قطرية واتصال مباشر مع رئيس دولة الإمارات لبحث سبل خفض التصعيد، في تجسيد واضح لنهج "بناء التحالفات المرنة" وتعزيز العمل العربي المشترك كأداة موازنة استراتيجية في بيئة إقليمية مضطربة. وفي السياق ذاته، برز دور ولي العهد كامتداد وظيفي للرؤية الملكية، من خلال تركيزه على تمكين الشباب خلال زيارته للجامعة الألمانية الأردنية، إلى جانب توظيف "القوة الناعمة" عبر تهنئة المنتخب العراقي الشقيق بتأهله لكأس العالم، بما يعزز الروابط الشعبية العربية. القراءة العميقة لهذا الحراك تشير إلى أن الدولة الأردنية تمارس بوعي متقدم ما يمكن تسميته بـ"إدارة التهديدات عبر التوازن الاستراتيجي"، إذ تجمع بين الانخراط الدولي الفاعل وتحصين الجبهة الداخلية، ما يستدعي الاستمرار في تعميق هذه الشبكات التحالفية لتقليل كلفة الانكشاف الجيوسياسي وضمان أمن الممرات والسيادة الوطنية في حال توسع رقعة الصراع.
وفي موازاة ذلك، حافظت الحكومة على إيقاع داخلي متماسك يعكس ما يعرف في أدبيات الحوكمة بـ"استمرارية الدولة تحت الضغط"، حيث أقرت تمديد إعفاءات وخصومات ضريبة الأبنية والأراضي بنسب كبيرة حتى نهاية حزيران، في خطوة تهدف إلى تحفيز الطلب الكامن في قطاع العقارات وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وهو ما يشكل أداة تدخل مالي مضاد للدورات الاقتصادية الهابطة. كما باشرت وزارة الأشغال العامة صيانة 11 طريقاً حيوياً في إقليم الوسط بكلفة 5.9 مليون دينار، بما يعزز كفاءة البنية التحتية ويخفض كلف النقل. سياسياً، أعاد رئيس الوزراء التأكيد على أن كتاب التكليف السامي يرسم بوضوح مسار "التحديث السياسي التدريجي"، في حين واصلت لجنة العمل النيابية مناقشة تعديلات قانون الضمان الاجتماعي ضمن معادلة معقدة بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، بالتوازي مع إعلان وزير الإدارة المحلية وليد المصري الإبقاء على النموذج التقليدي لانتخابات البلديات كخيار يوازن بين الاستقرار والتدرج الإصلاحي. هذا المشهد يعكس ما يمكن وصفه بـ"إدارة الاستقرار عبر الإصلاح المحكوم"، حيث تحاول الدولة تفادي الصدمات السياسية والاقتصادية عبر خطوات محسوبة. غير أن هذا النهج، رغم ضرورته، يفرض على صناع القرار تسريع وتيرة المشاريع الرأسمالية كثيفة التشغيل، وتبني مقاربات أكثر جرأة في إصلاح الضمان الاجتماعي، بحيث لا تتحول المعالجات إلى مجرد "ترحيل للأزمة" بل إلى إعادة هيكلة حقيقية تضمن العدالة بين الأجيال وتعزز الثقة المؤسسية على المدى الطويل.
اقتصادياً، برزت ملامح "اقتصاد الصمود" بوضوح، حيث أكد وزير الاتصال الحكومي أن أولوية الحكومة تتمثل في تقليل تداعيات الأزمات على المواطن، في وقت شدد فيه وزير الزراعة على استمرار التصدير الزراعي براً وجواً رغم التحديات الإقليمية، ما يعكس قدرة المنظومة اللوجستية الأردنية على التكيف مع الاختناقات الجيوسياسية. هذه المؤشرات تدل على أن الأردن ينجح في تطبيق نموذج "المرونة الاقتصادية التكيفية"، الذي يقوم على تنويع قنوات التوريد والتصدير والحفاظ على التدفقات النقدية. ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا التوازن يتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء "مناعة اقتصادية هيكلية" قائمة على تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع القاعدة التصديرية، وتقليل الاعتماد على المسارات عالية المخاطر، وهو ما يستوجب سياسات صناعية وزراعية أكثر عمقاً وارتباطاً بالأمن الوطني الاقتصادي.
أما على صعيد الأمن القومي، فقد برزت معالم "بيئة التهديد المركب" بوضوح، في ظل التهديدات الإيرانية للمنشآت الحيوية والتوتر المتصاعد في مضيق هرمز، وهو ما دفع الأردن للمشاركة الفاعلة في اجتماع وزاري دولي لبحث حماية حرية الملاحة، حيث أكد وزير الخارجية ضرورة بلورة موقف دولي موحد إزاء هذه التطورات. داخلياً، عكست جاهزية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مستوى متقدماً من "الردع الوقائي"، من خلال التعامل مع الشظايا الناتجة عن التصعيد الإقليمي، وتشديد الرقابة على الحدود، وإحباط عمليات التهريب، بالتوازي مع ضبط اعتداءات على خطوط المياه. هذه الوقائع تؤكد أن الأردن يواجه طيفاً واسعاً من التهديدات التي تتراوح بين الأمن الصلب (Hard Security) والأمن غير التقليدي، ما يضعه في حالة "استنفار استراتيجي منخفض الشدة" دائم. وعليه، فإن الضرورة تفرض تفعيل خطط الطوارئ الوطنية بشكل أكثر عمقاً، خاصة في مجالات أمن الطاقة والمياه وسلاسل التوريد، إلى جانب تعزيز الشفافية مع الرأي العام، لأن بناء "رأس المال الاجتماعي" والثقة بين الدولة والمجتمع يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات الممتدة.
وفي البعد المجتمعي والرقابي، برزت ملامح "الأمن المجتمعي " من خلال تكثيف الجهود لضبط المخالفات التجارية، وإطلاق مبادرات تمويل مشاريع الشباب، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز الاقتصاد المحلي القاعدي وتمكين الفئات الأقل حظاً. في المقابل، سلطت حوادث مأساوية كحادثة غرق طفل في الكرك الضوء على فجوات في منظومة السلامة العامة والتوعية المجتمعية. القراءة السوسيولوجية لهذا المشهد تشير إلى أن استقرار الدولة في أوقات الأزمات لا يعتمد فقط على قوة المؤسسات، بل أيضاً على مستوى الامتثال المجتمعي للقانون ودرجة الوعي الجمعي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطبيق صارم لسيادة القانون، بالتوازي مع تطوير خطاب إعلامي رسمي يتسم بـ"الاتصال الاستراتيجي الاستباقي"، قادر على مواجهة الشائعات وإدارة الرأي العام في ظل بيئة معلوماتية مضطربة، لأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى معركة على الوعي والإدراك العام.
في المحصلة، يكشف هذا الأسبوع عن نموذج أردني متماسك في "إدارة الدولة تحت الضغط"، يجمع بين دبلوماسية نشطة، وحوكمة داخلية مرنة، واقتصاد قادر على التكيف، ومؤسسة أمنية يقظة، ومجتمع في طور تعزيز مناعته. الأردن، في هذا السياق، لا يتحرك برد الفعل، بل وفق مقاربة استراتيجية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الانخراط الإقليمي وحماية الداخل، وبين الإصلاح والاستقرار، وهو ما يعزز صورته كدولة تمتلك "عقل دولة" قادراً على قراءة التحولات والتكيف معها. غير أن الحفاظ على هذا النموذج يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة المستقبل، عبر تعميق الإصلاحات، وتعزيز الشفافية، وبناء اقتصاد أكثر استقلالية، بما يضمن أن يبقى الأردن ليس فقط صامداً، بل فاعلاً ومؤثراً في إعادة تشكيل توازنات المنطقة.











طباعة
  • المشاهدات: 7095
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
05-04-2026 08:17 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم