02-04-2026 05:47 PM
بقلم : د. هيثم علي حجازي
في كل مرة يُفتح فيها ملف إصلاح القطاع العام، تتكرر العناوين ذاتها: تحديث إداري، رقمنة، كفاءة، تحسين الخدمات، وغير ذلك. ولكن، وعلى الرغم من كثرة الخطط والاستراتيجيات، يبقى الشعور العام أن شيئا جوهريا لا يتغير. وهنا يصبح من الضروري الانتقال من لغة “التحسين” إلى لغة أكثر صراحة: هل المشكلة في الأدوات، أم في الأسس التي يقوم عليها القطاع العام نفسه؟
الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن الحديث عن “المرونة” يصطدم بواقع إداري يقوم في جزء كبير منه على تجنب المخاطر لا إدارتها. فالمنظومة الإدارية، كما تشكّلت عبر سنوات طويلة، لا تشجع على المبادرة بقدر ما تشجع على الالتزام الحرفي بالنصوص. وفي مثل هذا السياق، لا تكون المشكلة في نقص الكفاءة فقط، بل في غياب الحافز للتصرف بكفاءة أصلا.
يعمل الموظف الحكومي ضمن معادلة معقدة: مساحة محدودة لاتخاذ القرار، مقابل مساحة واسعة للمساءلة. وهذه معادلة تُنتج سلوكا طبيعيا هو الحذر المفرط. فبدلا من أن يسأل الموظف: “ما هو القرار الأفضل؟” يصبح السؤال: “ما هو القرار الأقل خطورة عليّ شخصيا؟”. وهنا تتحول الإدارة من أداة لتحقيق النتائج إلى آلية لتفادي الخطأ.
إن هذه الثقافة لا يمكن معالجتها بدورات تدريبية أو أنظمة تقييم جديدة فقط، لأنها مرتبطة ببنية أعمق تتعلق بتوزيع السلطة داخل المؤسسات. فالمركزية، رغم كل الحديث عن تفكيكها، لا تزال حاضرة بقوة ليس فقط في القرارات الكبرى، بل في التفاصيل اليومية. والنتيجة أن المستويات التنفيذية تتحول إلى منفّذ سلبي، ينتظر التوجيه بدل أن يبادر.
ولا يقف الأمر عند الداخل الإداري. فهناك فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول التحديث، وبين الواقع الذي يلمسه المواطن. فبينما تُعلن الحكومات عن خدمات إلكترونية ومنصات ذكية، لا يزال المواطن يضطر في كثير من الأحيان للعودة إلى “المعاملة الورقية” أو الحضور الشخصي لإكمال إجراء بسيط. وهذا التناقض لا يعكس فقط ضعف التنفيذ، بل يكشف أن التحول الرقمي يُستخدم أحيانا كواجهة، لا كتحول حقيقي في طريقة العمل.
والأكثر حساسية في هذا النقاش هو أن المرونة تتطلب درجة من “الثقة المؤسسية” لا تزال محدودة. فالثقة بين المستويات الإدارية داخل الجهاز الحكومي ليست دائما قوية، والثقة بين الدولة والمواطن تواجه تحديات متراكمة. وفي غياب هذه الثقة، تميل الأنظمة إلى زيادة الضبط والرقابة، لا إلى توسيع الصلاحيات. وهنا ندخل في حلقة مغلقة: غياب الثقة يقلل المرونة، وغياب المرونة يعمّق فقدان الثقة.
علاوة على ذلك، فإن الحديث عن الكفاءة يصطدم بواقع آخر يتمثل في عدم وضوح العلاقة بين الأداء والمكافأة. ففي كثير من الأحيان، لا يُكافأ الأكثر إنتاجية بشكل يختلف جوهريا عن الأقل إنتاجية، ولا يُحاسب التقصير بالقدر الكافي. ومثل هذه البيئة لا تُحفّز التميُّز، بل تُشجع على البقاء في “المنطقة الآمنة".
ومن الزوايا التي نادرا ما يتم التطرق إليها بوضوح عند الحديث عن إصلاح القطاع العام هي مسألة تضخم الجهاز الحكومي وتداخل الأدوار بين المؤسسات. فوجود هيئات متعددة تقوم بوظائف متقاربة يخلق حالة من الضبابية في المسؤوليات، ويُضعف القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، علاوة على أنه يفتح المجال للتداخل والتعطيل المتبادل بدل التكامل.
أما العلاقة مع القطاع الخاص، فهي لا تزال أسيرة تردد مزمن. فبينما تتحدث السياسات عن الشراكة، يبقى التطبيق محدودا أو انتقائيا. وفي بعض الحالات، يُنظر إلى القطاع الخاص كمنافس أو تهديد، لا كشريك يمكن أن يضيف قيمة. ومثل هذه النظرة تعمل على الحدِّمن فرص الابتكار، وتُبقي العبء الأكبر على كاهل الدولة، حتى في المجالات التي يمكن أن تُدار بكفاءة أعلى خارجها.
إذا أردنا أن نكون أكثر وضوحا، فإن بناء قطاع عام مرن يتطلب قرارات صعبة، وليس فقط خططا جميلة، إذ يتطلب (1) إعادة توزيع حقيقية للصلاحيات(2) إصلاحا جادا لأنظمة الحوافز، بحيث يصبح الأداء هو المعيار الأساسي للتقدم (3) شجاعة في تقليص الهياكل المتضخمة، ودمج المؤسسات المتشابهة، حتى لو كان ذلك غير مريح سياسيا.
لكن الأهم من كل ذلك، هو تغيير الثقافة الإدارية نفسها. فالمرونة لا تعني الفوضى، بل تعني قبول قدر من المخاطرة، والتعامل مع الخطأ كجزء من عملية التعلم، لا كسبب للعقاب الفوري. وبدون هذه النقلة، ستبقى المؤسسات تميل إلى الجمود، حتى لو تغيّرت القوانين والأنظمة.
في النهاية، السؤال لم يعد: كيف نصمم قطاعا عاما أكثر مرونة؟ بل: هل نحن مستعدون لإعادة التفكير في الطريقة التي يُدار بها القطاع العام نفسه؟ لأن المرونة، في جوهرها، ليست تقنية إدارية، بل خيار سياسي قبل أن تكون خيارا إداريا.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
02-04-2026 05:47 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||