24-03-2026 09:28 AM
بقلم : د. هيثم علي حجازي
في كل مرة يتصاعد فيها النقاش حول كفاءة الخدمات الحكومية أو بطء إنجاز المعاملات، سرعان ما يُوَجَّهُ اللَّوْمُ سريعا ومباشرة نحو الموظف الحكومي باعتباره الحلقة الأكثر تماسّاً مع المواطن. ومع أن الموظف هو الواجهة المباشرة لتقديم الخدمة، فإنّ اختزال مشكلات القطاع العام في أداء الموظفين فقط يُغفل حقيقة أساسية، وهي أن تطوير القطاع العام يبدأ أولا من القيادة الإدارية التي ترسم السياسات وتحدد الإجراءات وتوفر بيئة العمل.
يجد الموظف الحكومي نفسه يوميا في معضلة تتمثل في ضعف القدرة على التوفيق بين توقعات المواطنين بإنجاز سريع وفاعل للمعاملات، وبين ضرورة وأهمية الالتزام بمنظومة التعليمات والإجراءات، خاصة وأن الموظف لا يمتلك صلاحية تجاوز هذه التعليمات والإجراءات أو تعديلها، حتى وإن كان يدرك أنها قد تُبطئ العمل. وهنا تظهر المفارقة؛ فالموظف الذي يلتزم بالتعليمات قد يُتهم بالبيروقراطية السلبية، بينما الواقع أن تلك التعليمات صادرة عن مستويات إدارية أعلى تهدف في الأصل إلى تنظيم العمل وضمان النزاهة والشفافية. ولذلك فإن مساءلة الموظف وحده عن نتائج هذه المنظومة تبدو أمراً غير عادل، لأن المساءلة الحقيقية في المؤسسات الناجحة تبدأ من المستويات القيادية التي تضع الأنظمة والإجراءات.
عادة يرتبط مستوى الأداء في أي مؤسسة – حكومية كانت أم خاصة – ارتباطا مباشرا بجودة القيادة الإدارية. فالقيادة هي التي تضع الاستراتيجيات، وتحدد الأولويات، وتضع الأنظمة والتعليمات التي يعمل ضمنها الموظفون. وبالتالي، عندما تكون الإجراءات معقدة، أو الأنظمة قديمة، أو بيئة العمل غير محفزة، فإن المسؤولية لا يمكن أن تقع على عاتق الموظف وحده، لأن الإدارة هي الجهة المسؤولة عن تبسيط الإجراءات، وتحديث الأنظمة، وتوفير التدريب والتقنيات التي تساعد الموظفين على أداء مهامهم بكفاءة.
والأمر لا يتعلق فقط بالأنظمة والتعليمات، بل بثقافة الإدارة أيضا. فالمؤسسات التي تقودها إدارة تشجع المبادرة والعمل الجماعي غالبا ما تحقق نتائج أفضل من تلك التي تسود فيها ثقافة الروتين والخوف من اتخاذ القرار. ففي كثير من الحالات، يمتلك الموظفون الحكوميون خبرة عملية كبيرة تتعلق بتفاصيل العمل اليومي، وهم غالبا الأقدر على تحديد مكامن التعقيد أو البطء في الإجراءات. غير أن هذه الخبرات لا تُستثمر دائما بالشكل الكافي من أجل تطوير الأنظمة أو تحسين الأداء المؤسسي، علما أن إشراك الموظفين في عملية التطوير، والاستماع إلى ملاحظاتهم، يمكن أن يكون مصدرا مهما للأفكار العملية التي تسهم في تحسين الخدمات الحكومية. علاوة على ذلك، فإن تمكين الموظفين ومنحهم قدرا معقولا من الصلاحيات ضمن ضوابط واضحة قد يساهم في تسريع إنجاز المعاملات وتقليل التعقيدات الإدارية. وعليه، فإن النجاح المؤسسي لا يتحقق بتحميل الموظفين المسؤولية، بل بتمكينهم ومنحهم الأدوات والصلاحيات التي تساعدهم على النجاح.
كذلك، فإن نجاح أي إصلاح إداري لا يعتمد فقط على القيادات العليا، بل يرتبط أيضا بدور القيادات الإدارية الوسطى داخل المؤسسات. فهؤلاء المديرون هم من يديرون العمل اليومي، ويشرفون على الموظفين، ويحولون السياسات العامة إلى ممارسات عملية. وعندما تكون هذه القيادات قادرة على إدارة فرق العمل بفاعلية، وتشجيع المبادرة وتحمل المسؤولية، فإن ذلك ينعكس إيجابا على أداء المؤسسة ككل.
إن الحديث عن تطوير القطاع العام دون معالجة الصورة النمطية التي ارتبطت بالموظف الحكومي في كثير من المجتمعات لا يمكن أن يحقق النتائج المرجوة. فعلى أرض الواقع هناك أعداد كبيرة من الموظفين يعملون بجدية وإخلاص رغم التحديات الإدارية والتنظيمية التي يواجهونها. غير أن قصص نجاحهم تلك نادرا ما تُسلَّط عليها الأضواء، ويتم التركيز غالبا على الحالات السلبية، علما أن إبراز النماذج الإيجابية يمكن أن يسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة ورفع معنويات العاملين فيها.
إن تطوير القطاع العام ليس مهمة فردية، بل هو عملية مؤسسية متكاملة تبدأ من القيادة وتمتد إلى جميع مستويات العمل. فالموظف الحكومي هو جزء أساسي من منظومة الخدمة العامة، لكنه يعمل ضمن إطار تنظيمي تحدده السياسات الإدارية والقيادات المؤسسية. ولهذا، فإن النقاش حول إصلاح القطاع العام يجب أن يتجاوز ثقافة لوم الموظفين، ويتجه نحو بناء قيادات إدارية قادرة على تحديث الأنظمة، وتمكين الكفاءات، وتوفير بيئة عمل تعزز الأداء والابتكار.
وفي النهاية، يبقى نجاح أي مؤسسة حكومية مرتبطا بقدرتها على الجمع بين قيادة واعية، وأنظمة فاعلة، وموظفين مؤهلين يعملون بروح المسؤولية لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
24-03-2026 09:28 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||