حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,18 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 9113

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: إيران والفراغ الاستراتيجي

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: إيران والفراغ الاستراتيجي

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: إيران والفراغ الاستراتيجي

18-03-2026 09:26 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : زيد إحسان الخوالدة
ليست قراءة إيران اليوم ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم تعقيدات المشهد الإقليمي في أحد أكثر مراحله حساسية. فقبل الثورة الإسلامية عام 1979، كانت إيران في عهد الشاه جزءًا من منظومة إقليمية مرتبطة بالغرب، تسعى إلى تحديث داخلي سريع وتحالفات خارجية واضحة. غير أن لحظة التحول الكبرى جاءت بعودة آية الله الخميني من منفاه على متن طائرة فرنسية، لتبدأ مرحلة جديدة أعادت تشكيل هوية الدولة من إطار قومي سياسي إلى مشروع ذي بعد أيديولوجي عابر للحدود. ومع انتقال القيادة لاحقًا إلى علي خامنئي، تبلورت ملامح نظام يسعى إلى تثبيت نفوذه الإقليمي عبر أدوات مركبة، جمعت بين السياسة والعقيدة والأمن.
لقد أظهرت محطات مفصلية في تاريخ المنطقة—من الحرب العراقية الإيرانية، إلى ما بعد عام 2003 في العراق، وصولًا إلى الأزمة السورية—أن جزءًا من السياسة الإيرانية اعتمد على استثمار الفراغات الاستراتيجية داخل الدول، لا سيما تلك التي تعاني من ضعف في بنيتها السياسية أو انقسام في نسيجها الاجتماعي. وقد أدى هذا النهج، في كثير من الأحيان، إلى تعميق الأزمات بدل احتوائها، وإلى تحويل مساحات النفوذ إلى ساحات صراع مفتوحة، تداخلت فيها الأدوار المحلية مع الإقليمية والدولية.
ومن المفارقات أن هذا التمدد لم يُنتج استقرارًا مستدامًا، بل ساهم في خلق بيئات هشّة، استدعت تدخلات خارجية أوسع، وأدخلت الإقليم في دوامة من الاستنزاف المتبادل. فالدول لا تُبنى عبر إدارة الفوضى، ولا تُحفظ توازناتها عبر أدوات غير تقليدية تضعف مؤسساتها، بل عبر شراكات واضحة واحترام متبادل لسيادتها.
وفي المقابل، تكشف التجربة العربية أن غياب الرؤية الموحدة وترك الفراغات دون معالجة أتاح المجال لإعادة تشكيل موازين القوى على حساب استقرار الدول. فما جرى في العراق، وما تكرر في سوريا ولبنان واليمن، يوضح أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغًا، بل يُملأ دائمًا—وغالبًا بطرق تزيد من تعقيد المشهد بدل تبسيطه.
إن المسؤولية اليوم لا تقتصر على تشخيص الخلل، بل تمتد إلى بناء مقاربة مختلفة تقوم على عدم ترك الفراغ، وعلى إعادة صياغة العلاقات الإقليمية ضمن إطار من التوازن والتكامل. فالعالم العربي، إن أراد استعادة دوره، لا بد أن يتحرك برؤية مشتركة، تتجاوز ردود الفعل إلى الفعل المنظم القادر على إدارة الأزمات ومنع تفاقمها.
وفي هذا السياق، تبرز سياسات الاعتدال—كما في التجربة الأردنية—كنموذج واقعي لإدارة التعقيد الإقليمي، حيث تقوم على مزيج من الحكمة السياسية، والحفاظ على الاستقرار، والانفتاح المحسوب دون التفريط بالثوابت. وهي مقاربة يمكن أن تشكل أرضية مشتركة لفهم الإقليم بعيدًا عن الاستقطاب الحاد
وفي الختام، فإن مسؤولية العرب والمسلمين لا تقف عند حدود المتابعة، بل تمتد إلى المبادرة الواعية لملء أي فراغ استراتيجي قد ينشأ في الإقليم، أياً كانت أسبابه. فالتجارب القريبة أثبتت أن ترك الفراغ دون إدارة رشيدة يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد والتدخلات التي لا تخدم استقرار المنطقة. ومن هنا، فإن المقاربة الأجدى لا تقوم على الصراع، بل على تقديم نموذج متماسك في الاعتدال والاستقرار، يكون قادرًا على التأثير الإيجابي في الداخل الإيراني نفسه، ويمثل أفقًا للمعتدلين فيه.
كما أن دروس العراق وسوريا ولبنان واليمن تفرض عدم تكرار أخطاء الماضي، حيث أدى غياب التنسيق وترك الساحات دون رؤية مشتركة إلى نتائج باهظة الكلفة على الجميع. إن وحدة الموقف، والعمل المنظم، وتغليب منطق التكامل على التنافس، هي الأساس في حماية مصالح المنطقة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن مصير الإقليم مترابط، وأن استقراره لا يُبنى على إضعاف طرف لصالح آخر، بل على توازن واعٍ يضمن الأمن للجميع، ويحول دون إعادة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة.











طباعة
  • المشاهدات: 9113
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
18-03-2026 09:26 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل سيُقرّ مجلس النواب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم