12-03-2026 09:19 AM
سرايا - تشهد منصات التواصل الاجتماعي مع كل تصعيد عسكري موجة من المقاطع الساخرة التي يصورها أشخاص من قلب الحدث أو متابعون له، وهي ظاهرة تثير الحيرة حول طبيعة المشاعر البشرية في أوقات الذروة.
من المنظور النفسي، نحن لا نواجه استهانة بالألم، بل نشاهد تفعيلاً لآلية دفاعية تعرف بـ"دعابة المقصلة". هذا النوع من السخرية هو استجابة لاإرادية يقوم بها العقل البشري حين يواجه واقعاً يفوق قدرته على الاستيعاب المنطقي. إنها محاولة لأنسنة الرعب وتفكيك هيبة الموت، حيث تتحول الضحكة هنا إلى صمام أمان يمنع الجهاز العصبي من الانفجار تحت وطأة الصدمة، مما يسمح للفرد بالحفاظ على توازنه النفسي ولو مؤقتاً وسط الفوضى.
اجتماعياً، ترتبط هذه الفيديوهات في بيئتنا بمفهوم المقاومة النفسية المشتركة. فالفرد في وقت الحرب يشعر بانسداد الأفق وفقدان السيطرة على مصيره، فتأتي السخرية لتعيد له شعوراً وهمياً -لكنه ضروري- بالقدرة على الفعل. عندما يسخر الشخص من التهديد، هو في الحقيقة ينتزع القوة من مصدر الخوف ويجيره لصالحه. هذا السلوك يعمل كرابطة اجتماعية غير مرئية؛ فالنكتة التي يتم تداولها تخلق حالة من التنفيس الجماعي، وتقلل من حدة العزلة الوجدانية التي يفرضها الخطر، مما يحول الألم الفردي إلى تجربة مشتركة يمكن احتمالها من خلال الضحك المر.
إن ظهور هذه السخرية في مجتمعنا الأردني والعربي تحديداً، يعكس استراتيجية تأقلم متجذرة مع الأزمات المتلاحقة. فالعقل الجمعي الذي تعود على "شر البلية ما يضحك"، يميل لاستخدام التهكم كوسيلة لتعطيل مفعول العجز المكتسب. من وجهة نظر سلوكية، الضحك يفرز مواد كيميائية في الدماغ تعمل كمسكنات طبيعية للتوتر، مما يساعد الفرد على الاستمرار في أداء مهامه الحياتية تحت القصف أو الضغط النفسي الشديد. السخرية هنا هي إعلان صمود وليست قناعاً للهروب؛ فهي وسيلة لترميم الروح التي أرهقها القلق، وضمان بقاء العقل في حالة جهوزية بدلاً من الاستسلام للاكتئاب السريري أو الهلع المشلّ للحركة.
ختاماً، يمكن تحليل هذه الظاهرة على أنها اللغة البديلة للفئات التي تجد الكلمات العادية عاجزة عن وصف فداحة الواقع. السخرية السوداء هي الترجمة الواقعية للتصادم بين غريزة الحياة وقسوة الموت؛ فالمزاح في هذه الظروف هو عملية "إعادة تدوير" للألم وتحويله إلى طاقة تحمل. إنها تثبت أن الإنسان، مهما بلغت درجة التنكيل بظروفه المعيشية، يظل متمسكاً بآخر معاقل حريته: "الحرية في اختيار كيفية التفاعل مع المعاناة". لذا، فإن هذه الفيديوهات ليست مجرد محتوى عابر، بل هي وثائق نفسية تعبر عن إرادة فطرية للبقاء الإنساني في وجه العبث.
* اختصاصية العلاج السلوكي المعرفي
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
12-03-2026 09:19 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||