حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,11 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4579

د.عاصم منصور يكتب: "الست" وحراس المعبد

د.عاصم منصور يكتب: "الست" وحراس المعبد

د.عاصم منصور يكتب: "الست" وحراس المعبد

11-03-2026 10:07 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.عاصم منصور
تابعت خلال الأسابيع الماضية الجدل الدائر في مصر حول فيلم «الست» الذي يعرض لسيرة المطربة المصرية الشهيرة أم كلثوم، ولم أكن معنيا بالجانب الفني من هذا الجدل فهذا ليس مجال اهتمامي فضلا على أنني لم أشاهد الفيلم. لم يكن الجدل الصاخب الذي رافق بداية عرض الفيلم ينحصر بمدى جودة الإخراج أو أداءِ المُمثّلين أو دِقّة المعلومات التاريخية، لكنّه شكل نُموذجا للحالةِ التي تجتاح المجتمعَ والمنظومة الرّسميّة كُلما حاول أحدُهم الاقترابَ من منطقة «المقدس الوطني». فنحنُ هنا أمام حالة استنفارٍ جماعيّ لا تهدفُ لحماية الفن؛ بل لحماية «الصّنم» الذي تواطأ الجميعُ على نحته وعبادته عبر العقود.


يُخبرُنا علماءُ الاجتماع السّياسي، أنّ الشُّعوب والأنظمة تبحث دومًا عن نقاط إجماع وطني تتجاوز الخلافات اليوميّة، فأمّ كُلثوم في مصر ليستْ مجرّد مُطربةٍ مبدعة؛ وإنّما جرى تحويلُها عبر «هندسة الذاكرة» إلى وعاءٍ للهويّة الوطنيّة.
وحين يتحوّل الفنانُ إلى «رمزٍ سِياديّ»، يتوقّف التّعامل معه كبشرٍ يُخطئ ويُصيب، ويتحول إلى أيقونةٍ لا يجوزُ خدشها. ومن هذا المُنطلق تأتي الأصواتُ التي تُطالب بمنع أيّ صوتٍ ينتقد «السِّت» أو يقرأ سيرتَها قراءةً إنسانية، لأنّ أنسنَة الرّمز تعني بالضرورة كسر هيبة «النّموذج الكامل» الذي تقتاتُ عليه السُّلطة والمُجتمع للهروب من الواقع الصّعب الذي تعيشُه.
فالسُّلطةُ السياسية في كلّ مكان وزمان تُدرك أنّ السّيطرة على «الرُّموز الكُبرى» هي جزءٌ من السّيطرة على «المجالِ العامّ»، فالرمز هنا يقوم بوظيفة «المُخدِّر» أو «المُوحِّد القسريّ» للأمّة التي تُعاني الانقِسام.
فصناعةُ الأصنام عمليةٌ تبادلية يقوم النّظام بمنحُ الرمز «القَداسة» ويحيطُه بسياج من القوانين والخُطوط الحمراءِ، وفي المقابل، يوفر الرمزُ للنظام جسرا للاتصال بوجدان الشّعب. لذا، فإنّ أيّ نقدٍ لهذا الرمز يُنظر إليه على أنه طعن في الثوابت الوطنيّة، وكأنّ المجتمع يخشى أنّه إذا سقط صنمٌ واحد، ستتهاوى خلفه بقيّة الأصنام.
إنّ تحويل الفنّان إلى «صنمٍ وطنيّ» لا يُمسّ ليس مجرّد فعل عاطفي من قبل الجماهير؛ بل هو إستراتيجية سياسية مدروسة تتّبِعها الأنظمة لترسيخ مفهومِ المقدس الدنيوي. فحين تتبنّى الدّولة رمزًا فنيا أو ثقافيا وتضفي عليه هالة من العِصمة، فهي في الحقيقة تضعُ حجرَ أساسٍ في بناء السّلطة المُطلقة؛ فالمجتمعُ الذي يتعلّم أنّ هناك مقامات فنّية فوق النّقد؛ يسهلُ إقناعُه لاحقًا بأنّ هناك أخرى سياسيّة فوق المُساءلة.
فهذا النّوعُ من التّأليه الثّقافيّ يستعمل كأداةٍ للضّبط الاجتماعي؛ فالمَنع والمُصادرة وتخوينُ النّاقدين تحت دعاوى الحِفاظ على الهيبةِ الوطنيّة أو صورَة الرّمز، هي في جوهرها تدريباتٌ يوميّة للشعوب على القبول بـالرّواية الواحدة. فالنظام السياسي هنا لا يدافعُ عن المبدع؛ بل عن «التابو» كفكرة؛ لأنّه يُدرك جيدًا أن كسر صنمٍ واحد في الوِجدان الثّقافيّ قد يفتحُ الباب لكسر أصنامٍ أخرى في الميادين السّياسيّة.
والمفارقةُ أنّ الجماهير غالبًا ما تكونُ أكثرَ شراسةً في الدفاع عن أصنامِها من السّلطة، وهذا التعصب للرمز هو آليّة دفاعٍ عن النفس؛ فعندما يعيشُ الإنسانُ واقعًا مأزومًا يحتاجُ إلى يقينيّاتٍ لا تقبلُ الشك تعزّز ثقتَه بنفسه وبالمستقبل.
لذلك نجدُ هذا الجمهور يرفضُ رؤية «السِّت» ككائن بشريّ له حساباته السّياسية أو غيرتُه الفنيّة أو تحالُفاته مع السّلطة، فهو لا يُدافع عن أمّ كُلثوم الحقيقيّة؛ بل يدافع عن الصورة الذِّهنية التي كوَّنها عنها، ويرفُض أن يستيقظَ من حُلمِ «الكمال».











طباعة
  • المشاهدات: 4579
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-03-2026 10:07 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل سيُقرّ مجلس النواب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم