حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,11 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 9117

مطالقة يكتب: تعديلات الضمان .. عندما يصبح الاستقرار التشريعي شرطاً للاستثمار

مطالقة يكتب: تعديلات الضمان .. عندما يصبح الاستقرار التشريعي شرطاً للاستثمار

مطالقة يكتب: تعديلات الضمان ..  عندما يصبح الاستقرار التشريعي شرطاً للاستثمار

10-03-2026 03:32 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :
محمد إبراهيم مطالقة
محامٍ وباحث

لم تعد البيئات الاستثمارية تتنافس فقط عبر الحوافز الضريبية أو انخفاض كلف التشغيل، بل عبر عنصر أكثر حساسية وتأثيراً يتمثل في الاستقرار التشريعي وقابلية التنبؤ بالسياسات الاقتصادية. فالمستثمر، سواء كان محلياً أو أجنبياً، لا يبني قراره على الأرباح المتوقعة فحسب، بل على درجة اليقين القانوني الذي يحيط بنشاطه الاقتصادي. ولهذا السبب تحديداً، لا تُقرأ التعديلات التشريعية في الأسواق بوصفها نصوصاً قانونية مجردة، بل باعتبارها إشارات مباشرة إلى مستوى استقرار البيئة التنظيمية.
ففي عالم الاستثمار، قد يتكيف رأس المال مع الكلفة، لكنه نادراً ما يتسامح مع عدم اليقين.
ومن هذا المنطلق، تثير التعديلات الأخيرة المرتبطة بمنظومة الضمان الاجتماعي وتنظيم الملكية العقارية نقاشاً يتجاوز الإطار القانوني الضيق، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بالرسائل الاقتصادية التي تبعثها هذه التغييرات إلى السوق. فالتعديل التشريعي، مهما كانت أهدافه الإصلاحية أو المالية، لا يُقاس في نظر المستثمرين بمراميه المعلنة، بل بمدى تأثيره على استقرار القواعد التي بُنيت عليها القرارات الاستثمارية القائمة.
اقتصادياً، يؤدي اتساع حالة عدم اليقين التشريعي إلى إعادة تسعير المخاطر بصورة فورية. فالمستثمر لا ينظر إلى التشريع باعتباره إطاراً تنظيمياً ثابتاً فحسب، بل كعامل مؤثر في كلفة المشروع واستدامته المالية. وعندما تصبح الالتزامات الاقتصادية عرضة للتعديل خلال دورة الاستثمار، يتجه رأس المال بطبيعته إلى رفع العائد المطلوب، أو تأجيل خطط التوسع، أو البحث عن أسواق أكثر استقراراً تشريعياً.
وتظهر هذه الآثار بوضوح في التعديلات المرتبطة بمنظومة الضمان الاجتماعي، والتي تمس بصورة مباشرة كلفة التشغيل على المنشآت الاقتصادية، ولا سيما في القطاعات كثيفة العمالة. فقد بدأت بعض المنشآت بإعادة النظر في خطط التوسع والتوظيف، فيما اتجهت منشآت أخرى إلى تبني أنماط تشغيل تقلل من الالتزامات طويلة الأمد المرتبطة بالاشتراك التأميني، وهو اتجاه قد ينعكس تدريجياً على بنية سوق العمل وعلى حجم الاستثمار الإنتاجي.
كما أن ربط استحقاق المنافع التأمينية ببلوغ سن الخامسة والستين أو استكمال (360) اشتراكاً فعلياً يخلق حافزاً اقتصادياً غير مباشر لإعادة تنظيم العلاقة التأمينية بصورة تقلل مدد الاشتراك الفعلي، سواء عبر تقطع فترات العمل أو الاتجاه نحو صيغ تشغيل أقل خضوعاً لمظلة الضمان الاجتماعي. والنتيجة المتوقعة ليست توسيع قاعدة الحماية الاجتماعية بقدر ما قد تكون اتساع فجوة الامتثال التأميني، وهو ما يضعف أهداف النظام ذاته على المدى الطويل.
أما في قطاع التطوير العقاري، فتبدو المسألة أكثر حساسية. فهذا القطاع يعتمد بطبيعته على الاستقرار القانوني طويل الأمد، لأن قرارات الاستثمار فيه تمتد لسنوات وتتطلب تمويلاً ضخماً وثقة مستمرة في القواعد التنظيمية. وعندما تتغير هذه القواعد بصورة متسارعة أو غير متوقعة، فإن أول ما يتراجع ليس الاستثمار القائم، بل الاستثمار الجديد. فالمطور العقاري قد يواصل مشروعاً بدأه بالفعل، لكنه سيفكر مرتين قبل إطلاق مشروع جديد في بيئة تنظيمية يصعب توقع اتجاهاتها.
وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة دائماً في أهداف التعديلات التشريعية ذاتها، بل في الرسائل الاقتصادية غير المقصودة التي ترسلها إلى السوق. فالأسواق لا تنتظر سنوات لتقييم الأثر التشريعي، بل تعيد تسعير المخاطر فور ظهور مؤشرات على عدم الاستقرار التنظيمي.
ويكتسب هذا النقاش بعداً إضافياً في ضوء التطورات البرلمانية الأخيرة، حيث أُحيل مشروع التعديلات المتعلقة بقانون الضمان الاجتماعي إلى لجنة العمل النيابية ضمن مسار تشريعي متسارع. ورغم أن مجلس النواب الأردني أتاح منصة لتلقي الملاحظات من المواطنين حول المشروع، وهي خطوة إيجابية في تعزيز المشاركة العامة، إلا أن طبيعة التعديلات المطروحة وما تنطوي عليه من آثار اقتصادية وقانونية واسعة تطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى الحاجة إلى نقاش تشريعي أوسع داخل المجلس نفسه وبمشاركة أكثر من لجنة نيابية مختصة.
فرغم أهمية الدور الذي تضطلع به لجنة العمل في دراسة التشريعات المرتبطة بسوق العمل، إلا أن طبيعة التعديلات المطروحة تتجاوز الإطار العمالي البحت، نظراً لما تنطوي عليه من أبعاد قانونية واقتصادية ومالية متشابكة. ومن هنا يبرز طرح تشكيل لجنة نيابية مشتركة تضم إلى جانب لجنة العمل كلاً من اللجنة القانونية واللجنة الاقتصادية باعتباره خياراً أكثر اتساقاً مع طبيعة هذا التشريع.
فالتعديلات المقترحة لا تمس تنظيم العلاقة التأمينية فحسب، بل تمتد آثارها إلى منظومة الحقوق التأمينية للمشتركين، وإلى كلفة التشغيل والاستثمار في السوق المحلي. كما أن إشراك اللجنة الاقتصادية يتيح قراءة أعمق لانعكاسات هذه التعديلات على بيئة الأعمال ومستوى الثقة الاستثمارية، وهو ما يسهم في تحقيق مقاربة تشريعية أكثر توازناً بين متطلبات الاستدامة المالية للنظام والحفاظ على استقرار البيئة الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تتقاطع أهمية الاستقرار التشريعي مع ما أكدته الأوراق النقاشية الملكية لجلالة الملك عبد الله الثاني، التي شددت على أن سيادة القانون واستقرار التشريعات يشكلان أساس بناء اقتصاد منتج وبيئة استثمارية قادرة على المنافسة. فالثقة الاقتصادية لا تُبنى بالحوافز المالية وحدها، بل بمنظومة قانونية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وفي المحصلة، لا تُقاس جاذبية البيئة الاستثمارية بحجم الحوافز المعلنة بقدر ما تُقاس بدرجة الثقة التي تولدها القواعد القانونية في استقرارها واستمراريتها. فالمستثمر يستطيع التكيف مع الكلفة متى كانت واضحة ومستقرة، لكنه يتردد أمام بيئة تتغير قواعدها بصورة يصعب توقعها، لأن رأس المال يبحث أولاً عن اليقين… ثم يفكر بعد ذلك في الربح.








طباعة
  • المشاهدات: 9117
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
10-03-2026 03:32 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم