09-03-2026 09:21 AM
سرايا - «السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.
في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الشاعرة والفنانة التشكيلية غدير سعيد حدادين...
كيف تقرئين مفهوم «السردية الأردنية» من موقعك كشاعرة وفنانة تشكيلية وقائدة تربوية؟
- أرى السردية الأردنية ككائن حيّ، يتنفس بالإنسان قبل الحدث، وبالقيم قبل الشعارات. هي ليست أرشيفًا مغلقًا، بل مساحة مفتوحة تتسع للأصوات المتعددة، للمرأة والرجل، للمدينة والقرية، للذاكرة والأمل. من موقعي كشاعرة، أتعامل مع السردية بوصفها مسؤولية أخلاقية وجمالية؛ أن أكتب الوطن لا باعتباره فكرة مجردة، بل تجربة معيشة. ومن موقعي التربوي، أؤمن أن السردية تُبنى في التفاصيل اليومية، في الكلمة الصادقة، وفي التربية على الانتماء الواعي. إنها قصة إنسان تجذّر في الأرض، وصعد بعينيه نحو الشمس، مؤمنًا أن الهوية ليست ماضيًا فقط، بل مشروعًا مستمرًا من البناء والوعي.
أين تضعين تجربتك الإبداعية داخل هذه السردية؟
- أكتب من الداخل، من عمق الانتماء لا من هامشه. تجربتي ليست مراقبة للسردية، بل مشاركة في صياغتها. في كتابي «حافية نحو الشمس» كتبت عن امرأة عميقة الجذر، تتطلع نحو الشمس رغم الألم. لم أحدد ملامحها بدقة، لأنني أردتها أن تكون كل امرأة أردنية، وكل إنسان اختبر الانكسار ثم اختار النهوض. كتبت عن كبريائها، عن نضجها، عن الألم الذي تحوّل إلى قوة، وعن الإيمان الذي لم يخفت. أؤمن أن فعل الكتابة بحد ذاته مقاومة؛ مقاومة للنسيان، وللاختزال، وللصمت. لذلك أرى تجربتي امتدادًا للسردية الأردنية، لا بوصفها رواية رسمية، بل باعتبارها حكاية إنسان يبحث عن الضوء.
إلى أي حد شكّل المكان الأردني وذاكرته ملامح كتابتك؟
- المكان الأردني يسكنني قبل أن أكتبه. الأرض هنا ليست خلفية للأحداث، بل شريكة في التكوين. في قصائدي حضرت الجدات، حناء التراث، البيوت القديمة، والذاكرة الشعبية التي تنتقل همسًا بين الأجيال. ارتدائي للزي الأردني في مشاركاتي العربية والدولية لم يكن مظهرًا احتفاليًا فحسب، بل إعلان انتماء. كنت أحمل العلم الأردني باعتزاز، وأتحدث عن وطني بكل فخر، لأنني أؤمن أن الهوية تُعاش وتُجسّد. في «حافية نحو الشمس» كانت المرأة امتدادًا للأرض؛ جذورها ثابتة، لكنها لا تكف عن التطلع إلى الأعلى. هكذا يتشكل النص عندي: من ترابٍ يعرفني، ومن ذاكرةٍ تمنحني المعنى.
هل أخذ صوت المرأة الأردنية موقعه العادل في الحكاية الوطنية؟
- ما زال صوت المرأة بحاجة إلى إنصات أعمق. المرأة الأردنية لم تكن يومًا هامشًا في التاريخ، لكنها كثيرًا ما كُتبت بوصفها ظلًا لا مركزًا. في كتابي، لم أكتب امرأة ضعيفة، بل إنسانة تمرّ بالتجربة كاملة: تنكسر، تتألم، ثم تعيد تشكيل ذاتها. أردت أن أقول إن النضج يولد من العبور، وإن الكبرياء لا يعني القسوة بل الكرامة. المرأة في السردية الوطنية ليست مجرد رمز للعاطفة، بل شريكة في الوعي والبناء. وحين نعيد قراءة الحكاية بعدسة أنثوية عادلة، نكتشف أن الوطن كان دائمًا يُبنى بيدين؛ يدٍ تعلن ويدٍ تحتضن.
حين يُقال إن «الإنسان الأردني صنع التاريخ»، كيف تتجلى صورة المرأة في نصوصك؟
- تتجلى المرأة كصانعة للتاريخ اليومي، لا كحاشية له. هي التي تحفظ الذاكرة، وتزرع القيم، وتواجه الألم دون أن تفقد إيمانها. في «حافية نحو الشمس» جعلتها تمشي حافية، لا ضعفًا، بل اتصالًا بالأرض، وصدقًا مع الذات. الألم عندها ليس نهاية، بل بداية تحوّل. أرى المرأة الأردنية جزءًا أصيلًا من كل إنجاز وطني، سواء ذُكر اسمها أم لا. في نصوصي، هي شامخة، عميقة، قادرة على تحويل التجربة الشخصية إلى طاقة نور. إنها تمثل فعل المقاومة الهادئة التي لا تصرخ، لكنها تغيّر.
كيف يمكن الاقتراب من محطات تاريخية مفصلية من زاوية إنسانية؟
- بأن نعيد للحدث وجهه الإنساني. التاريخ ليس تواريخ جامدة، بل مشاعر، وخيارات، وتضحيات. الشاعرة تستطيع أن ترى في الحدث قلب الأم، وصبر الجندي، ودمعة الطفل. من هذه الزاوية يصبح التاريخ تجربة شعورية لا سردًا رسميًا. أؤمن أن الكتابة قادرة على إعادة التوازن بين البطولة والإنسان، بين الفخر والألم. حين نكتب المحطات المفصلية بروح إنسانية، نمنحها عمقًا أبعد من اللحظة، ونحوّلها إلى دروس في الصمود والأمل.
هل تتسع السردية الوطنية للأسئلة الجريئة؟
- السردية القوية لا تخاف السؤال. السؤال ليس تمردًا، بل بحثًا عن معنى أعمق. في تجربتي، لم أتجنب الألم، ولم أكتب صورة مثالية خالية من التحديات. الإيمان الحقيقي لا يلغي الشك، بل يعبر به نحو يقين أصدق. أرى أن السردية الأردنية تتسع للاختلاف حين يكون نابعا من حب حقيقي للوطن. الكتابة الجريئة ليست خروجًا عن الانتماء، بل دليل عليه. فالوطن الذي يسمح لأبنائه أن يسألوا هو وطن واثق من نفسه.
كيف توازنين بين الانتماء وحقك في النقد؟
- أوازن بينهما كما يوازن القلب بين الحب والصدق. الانتماء عندي ليس تصفيقًا دائمًا، بل حرصًا عميقًا. أكتب الوطن كما أراه: جميلًا، قويًا، لكنه إنساني أيضًا. النقد البنّاء هو شكل من أشكال الوفاء، لأنه يسعى إلى التصويب لا إلى الهدم. في كتابتي أبحث عن الحقيقة دون أن أتخلى عن الأمل. هذا التوازن هو ما يمنح الكلمة قوتها.
ما الحكايات النسائية التي لم تُروَ بعد؟
- حكايات كثيرة لم تجد بعد من يكتبها: نساء عبرن الألم بصمت، نساء صنعن الأثر دون ضجيج، نساء حملن الوطن في تفاصيل الحياة اليومية. في «حافية نحو الشمس» تركت ملامح البطلة مفتوحة ليجد كل قارئ امرأة يعرفها. أردت أن أقول إن البطولة قد تكون هادئة، وإن القوة قد تكون داخلية. هذه الحكايات تستحق أن تُروى، لأنها جزء من اكتمال الصورة.
هل يختلف وعي الجيل الجديد بالسردية الوطنية؟
- يتشكل وعي الجيل الجديد في مساحات حوار حقيقية، وأرى أن من أهم هذه المساحات الطابور الصباحي. الإذاعة الصباحية ليست روتينًا، بل منصة وعي. فيها تُقال الكلمة أمام الجميع، ويُمارس التعبير الحر باحترام، ويُطرح النقد بمسؤولية. هناك يتعلم الإنسان كيف يصغي، وكيف يعبر، وكيف يحترم الرأي الآخر. الطابور مساحة لبناء الثقافة والانتماء، وتدريب مبكر على المواطنة الواعية. حين يقف الفرد ليقرأ، أو يناقش، أو يطرح فكرة، فإنه يمارس انتماءه عمليًا. من هنا أرى أن الوعي الجديد أكثر جرأة، وأكثر قدرة على التعبير، لأنه تربّى في فضاء يسمح له بالصوت.
لو كتبتِ فصلًا للأجيال القادمة، ماذا سيكون عنوانه؟
- سأسميه: «حافية نحو الشمس حين يصبح الأمل هوية».
سأكتب عن إنسان أردني يؤمن أن الطريق قد تكون قاسية، لكنه لا يتخلى عن الضوء. سأكتب عن الإيمان والإصرار، عن الألم الذي يتحول إلى طاقة بناء، عن الكبرياء الذي لا ينكسر. سيكون فصلًا يقول للأجيال القادمة إن الأمل ليس ترفًا، بل قرارًا يوميًا.
ما الذي يجب ألا تغفله الذاكرة الوطنية ونحن نكتب قصة الأردن؟
- ألا نغفل الإنسان البسيط الذي حمل الوطن في قلبه قبل أن يحمله في الشعارات.
ألا نغفل أن الأردن بُني بالصبر، وبالإيمان، وبالقدرة على تحويل الألم إلى قوة.
ألا نغفل أن الأمل كان دائمًا فعل مقاومة.
حين نكتب قصة الأردن، علينا أن نكتبها بروح عادلة، لا تختزل الحكاية في لحظة انتصار، ولا تتجاهل سنوات التعب. أن نكتبها باعتبارها سيرة إنسان يمشي أحيانًا حافيًا، لكنه لا يتوقف أبدًا عن التطلع نحو الشمس..
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
09-03-2026 09:21 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||