08-03-2026 09:03 AM
بقلم : د. محمد يوسف حسن بزبز
في كل صباحٍ مدرسيٍّ تتجه آلاف الخطوات الصغيرة نحو المدارس، حاملةً معها حقائب الكتب، وأحلامًا أكبر بكثير من أعمار أصحابها. هناك، خلف تلك الأبواب التي تفتح مع أول جرسٍ في اليوم الدراسي، لا تبدأ الدروس فحسب، بل تبدأ حكاية بناء الإنسان، وصناعة المستقبل، وترسيخ القيم التي تقوم عليها المجتمعات.
فالمدرسة ليست مجرد مبنى يضم صفوفًا ومقاعد، بل فضاء تتشكل فيه العقول، وتُبنى فيه الشخصيات، وتُزرع فيه أولى بذور الإنتماء الحقيقي.
ومن هذا المعنى العميق انطلقت مبادرة "لمدرستي أنتمي"، لتعيد صياغة العلاقة بين الطالب ومدرسته، وتحوّلها من علاقة عابرة قائمة على الحضور والغياب إلى علاقة وجدانية حقيقية يشعر فيها الطالب أن المدرسة بيته الثاني، وأنه جزء من روحها وحكايتها اليومية.
إنها مبادرة تقول للطلبة بلغة بسيطة ولكن عميقة: إن المدرسة ليست مكانًا تُؤدَّى فيه الواجبات فقط، بل مساحة تُصنع فيها الأحلام، وتُكتشف فيها القدرات، ويُبنى فيها المستقبل.
ولأن التعليم في الأردن يمثل ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، فقد حظيت هذه المبادرة باهتمامٍ ملكي كريم من صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه، الذي يؤكد في رؤيته الوطنية أن الإستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن المدرسة هي المحطة الأولى في صناعة الوعي والمعرفة والإنتماء. هذا الاهتمام الملكي يعكس إيمانًا راسخًا بأن بناء الأوطان يبدأ من الصفوف الدراسية، حيث تتشكل عقول الأجيال وتترسخ القيم التي تحمي المجتمع وتنهض به.
وفي إطار ترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي، تحظى المبادرة بمتابعة مباشرة من معالي وزير التربية والتعليم الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، الذي يولي تطوير البيئة المدرسية وتعزيز السلوكيات الإيجابية لدى الطلبة أهمية كبيرة ضمن مسار تطوير التعليم في المملكة.
كما يبرز الدور الحيوي للأمناء العامين في وزارة التربية والتعليم، وفي مقدمتهم مدير الشؤون التعليمية الدكتور نواف العجارمة، ومديرة الشؤون الإدارية والمالية سحر الشخاترة، في متابعة تنفيذ المبادرة في مديريات التربية والتعليم، وضمان تحقيق أهدافها التربوية والتعليمية بما ينعكس إيجابًا على البيئة المدرسية في مختلف مدارس المملكة.
غير أن جوهر مبادرة "لمدرستي أنتمي" لا يقف عند حدود تجميل الجدران أو ترتيب الصفوف، فالمسألة أعمق بكثير من مجرد مظهرٍ جميلٍ للمدرسة. إن الفكرة الحقيقية للمبادرة تتمثل في بناء روح جديدة داخل المدرسة؛ روح تجعل الطالب يشعر بأن هذا المكان يعنيه، وأنه قادر على ترك أثر فيه. حين يشارك الطلبة في تنظيف ساحات المدرسة، أو في تجميل مرافقها، أو في إطلاق مبادرات تطوعية تخدم بيئتها، فإنهم لا يقومون بعمل عابر، بل يمارسون فعل الانتماء الحقيقي الذي يتحول مع الوقت إلى سلوك يومي راسخ.
ولهذا جاءت المبادرة ضمن إطار متكامل يقوم على ستة مجالات رئيسة تشكل أساس العمل داخل المدارس. فهناك البيئة المدرسية الآمنة التي تضمن شعور الطلبة بالطمأنينة والإحترام داخل المدرسة، والبيئة المدرسية الجاذبة التي تجعل المدرسة مكانًا محببًا للتعلم لا مجرد مكان للواجبات والاختبارات. كما يتضمن الإطار مجال الصحة الذي يعزز السلوكيات الصحية والنظافة والوعي الوقائي، إلى جانب مجال الشراكة مع المجتمع المحلي وأولياء الأمور الذي يرسخ العلاقة بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي. ويأتي كذلك مجال الإبتكار والإبداع الذي يشجع الطلبة على التفكير الخلاق والمبادرات المتميزة، إضافة إلى مجال القيادة والإدارة الذي يسهم في تطوير الممارسات القيادية داخل المدرسة بما يعزز كفاءة العمل التربوي.
إن ما يميز هذه المبادرة أنها لا تقتصر على الطلبة وحدهم، بل تمتد لتشمل المعلمين والإداريين وأولياء الأمور والمجتمع المحلي، لأن المدرسة لا يمكن أن تنجح في أداء رسالتها إذا عملت بمعزل عن محيطها.
فالمعلم الذي يزرع الإحترام قبل المعرفة، والإداري الذي يدير المدرسة بروح القائد لا بروتين الموظف، وولي الأمر الذي يرى في المدرسة شريكًا حقيقيًا في تربية أبنائه… جميعهم شركاء في تحقيق الهدف الأكبر للمبادرة.
ومع ذلك يبقى السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه في كل حديث عن التعليم: هل يكفي أن يتفوق الطالب في الإمتحانات ليكون متعلمًا حقًا؟ وما قيمة علمٍ يجعل الإنسان بارعًا في حل أعقد المسائل الرياضية، لكنه يعجز عن حل معادلة الأخلاق في حياته اليومية؟ إن التعليم الحقيقي لا يقاس بدرجات الإمتحانات وحدها، بل بقدرة المدرسة على تخريج إنسان واعٍ، يحترم ذاته، ويقدّر الآخرين، ويشعر بالمسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه.
ولهذا، حين نقول "لمدرستي أنتمي"، فإن الإنتماء لا يكون للجدران والمقاعد بقدر ما يكون للفكرة التي تمثلها المدرسة، وللرسالة التي تحملها، وللقيم التي تغرسها في نفوس أبنائنا.
فالمدرسة التي تنجح في بناء هذا النوع من الإنتماء لا تخرج طلبة ناجحين فحسب، بل تصنع قادة ومفكرين ومواطنين يدركون أن ما يتعلمونه اليوم هو الأساس الذي سيبنون عليه مستقبلهم ومستقبل وطنهم.
إن "لمدرستي أنتمي" ليست شعارًا يرفع في الإذاعة المدرسية، ولا حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء نشاط معين، بل قصة تُكتب كل يوم في ساحات المدارس وصفوفها، قصة تبدأ بابتسامة طالب يشعر بالفخر بمدرسته، وتمتد لتصبح ثقافة راسخة تقول إن المدرسة ليست مجرد مكان للدراسة… بل مصنع للحياة وصناعة الإنسان.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
08-03-2026 09:03 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||