24-02-2026 11:46 AM
بقلم : د. زياد جلال الحنفي
لم يعد العالم الرقمي مجرد مساحة للتواصل أو تبادل المعرفة، بل تحوّل تدريجيًا إلى بيئة اجتماعية متكاملة يعيش فيها الإنسان جزءًا كبيرًا من يومه، ويستثمر فيها مشاعره، علاقاته، وصورته الذاتية. ومع هذا الامتداد العميق للحياة الإنسانية داخل الفضاء الافتراضي، ظهرت أنماط جديدة من المخاطر لم تكن مألوفة في السياقات التقليدية، لعل أبرزها وأكثرها خفاءً هو الابتزاز الإلكتروني.
الابتزاز الإلكتروني لا يظهر غالبًا في صورة جريمة صاخبة، ولا يصاحبه عنف مادي مباشر، لكنه يمارس أثرًا نفسيًا واجتماعيًا بالغ الخطورة. إنه جريمة تبدأ في كثير من الأحيان برسالة عابرة، أو طلب صداقة، أو تفاعل رقمي بسيط، ثم تتطور تدريجيًا إلى أداة ضغط تهدد كرامة الإنسان وخصوصيته واستقراره النفسي.
في جوهره، يقوم الابتزاز الإلكتروني على استغلال الثقة. فالمبتز لا يهاجم الضحية بالقوة، بل يتسلل إليها عبر مسارات ناعمة: علاقة افتراضية، تواصل عاطفي، أو حتى تعامل مهني. ثم تتحول هذه العلاقة إلى وسيلة للسيطرة من خلال امتلاك معلومات أو صور أو محتوى شخصي، يتم لاحقًا استخدامه كورقة ضغط لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية أو حتى لإشباع نزعات السيطرة.
ما يجعل هذه الجريمة أكثر خطورة هو طبيعتها غير المرئية. فالضحية غالبًا تعيش المعاناة في صمت، خوفًا من الفضيحة أو الوصمة الاجتماعية أو فقدان المكانة المهنية. وهنا يتحول الابتزاز من مجرد تهديد رقمي إلى حالة حصار نفسي حقيقية قد تؤدي إلى القلق المزمن، العزلة الاجتماعية، أو حتى الانهيار النفسي.
كما أن البيئة الرقمية نفسها تساهم في تضخيم هذا الخطر. فسهولة إنشاء الهويات الوهمية، وسرعة انتشار المحتوى، وصعوبة السيطرة على البيانات بعد نشرها، كلها عوامل تمنح المبتز قوة غير متكافئة مقارنة بالضحية. وفي ظل هذا الاختلال، يصبح الابتزاز الإلكتروني أداة لإعادة إنتاج علاقات القوة بطرق جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية والقانونية.
ومن منظور اجتماعي أوسع، لا يمكن التعامل مع الابتزاز الإلكتروني باعتباره سلوكًا فرديًا معزولًا، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في طبيعة التفاعل الإنساني داخل الفضاء الرقمي. حيث اختلط الخاص بالعام، والحميمي بالعلني، وأصبح الإنسان مكشوفًا بدرجة غير مسبوقة أمام دوائر قد لا يدرك حدودها.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الحلول التقنية أو القانونية فقط، رغم أهميتها، بل تتطلب بناء وعي رقمي حقيقي يقوم على فهم المخاطر الكامنة في التفاعل الافتراضي، وتعزيز ثقافة الخصوصية، وإعادة تعريف مفهوم الأمان الشخصي في البيئة الرقمية.
فالابتزاز الإلكتروني ليس مجرد جريمة معلوماتية، بل هو أزمة ثقة داخل الفضاء الرقمي، واختبار حقيقي لمدى جاهزية المجتمعات للتعامل مع الجانب المظلم من التحول التكنولوجي.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأهم هو الانتقال من ثقافة الصمت إلى ثقافة المواجهة، ومن الخوف إلى التمكين، بحيث لا تبقى الشاشة أداة تهديد، بل تعود إلى دورها الطبيعي كوسيلة للتواصل والتنمية، لا للسيطرة والإيذاء.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
24-02-2026 11:46 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||