23-02-2026 08:20 AM
بقلم : نادية سعدالدين
يُوجّه استعراض الحرس الثوري الإيراني لقوته مؤخراً في أكثر ممرات الطاقة حساسية بالعالم، «مضيق هرمز»، ومن ثم لترسانة صواريخه الباليستية، أكثر من رسالة داخلياً وخارجياً وسط التصعيد الأميركي الراهن، بصفته العمود الفقري الذي تتكئ عليه شرعية النظام في مواجهة التحديات السيادية، وخط الدفاع الأول الذي يرسم حدود الردع الإيراني بالمنطقة، وأداة السطوة المُهيمنة محلياً على مفاصل الاقتصاد والسياسة، ضمن ثنائية وظيفية تُفسر نفوذه المتنامي.
اكتسب الحرس الثوري أولى مواطن مكانته من قرار نشأته (1979) بأمر القائد المؤسس للجمهورية الإسلامية روح الله الخميني (1902- 1989) مباشرة، ليكون مصدر حمايته وسداً مدافعاً عن «مبادئ الثورة» وثقلاً موازياً لجهاز الأمن التقليدي القائم آنذاك، خشية قيام الحكومة الموروثة من عهد الشاه البائد بانقلاب مضاد، فضم، حينها، عناصر متنوعة الخلفيات التفت حول هدف إنجاح الثورة الإيرانية.
فيما شكلت الحرب العراقية– الإيرانية (1980- 1988) المحطة التالية الأبرز في مسار تطوره؛ إذ بالرغم من حجم الخسائر التي تكبدتها إيران في الحرب، إلا أن الرأي العام الإيراني ظل يحفظ للحرس الثوري دوره الباسل فيها واستعداده العالي للتضحية والشهادة، مقارنة بإمكانياته الضعيفة حينها. ومع تمكن الخمينيين من إحكام السيطرة على السلطة، عقب الإطاحة بالرئيس أبي الحسن بني صدر (1981) الذي كان معارضاً لاستمرار الحرب مع العراق، بات الحرس القوة المُفضَلة لإيران في الحرب، مؤيداً استمرارها، فحمَلت المعركة وجهاً آخر لصورته إزاء أساليبه التي أدت لإطالة أمد الصراع بكلفة فادحة في الأرواح والممتلكات الإيرانية، عبر اتباعه، بموافقة رسمية، تكتيكات كبدت إيران خسائر جسيمة؛ مثل اعتماد العمليات الانتحارية ونمط الهجوم الجماعي والزج بآلاف المتطوعين في أتون القتال بدون تلقيهم التدريبات العسكرية الكافية، عدا تجنيد الأطفال ضمن قوات «الباسيج» التابعة له للمشاركة بالحرب.
تسببت الخسائر البشرية الضخمة المصحوبة بوعود النصر المتوالية التي لم تستطع القيادة الإيرانية تحقيقها في تنامي المعارضة الداخلية للحرب وارتفاع وتيرة المظاهرات الشعبية المضادة لها، بينما جوبه تعيين رئيس مجلس الشورى الإسلامي آنذاك، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، قائداً أعلى للقوات المسلحة الإيرانية، من قِبل الإمام الخميني (1988) بهجوم واسع من قبل سياسيين إيرانيين نظير موقفه المؤيد لاستمرار القتال، تزامناً مع تعالي أصوات المعارضة النامية وازدياد كثافة الضغوط السياسية والاجتماعية الداخلية المطالبة بوقف الحرب، والتي انتهت بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، مُسدلاً الستار على ثمانية أعوام دامية.
ومع ذلك؛ تُعد ثورية الحرس الثوري وولاؤه المطلق لتعاليم «ولاية الفقيه» مصدراً وازناً لقوته؛ بوصفه الأقدر على حماية نظام الجمهورية الإسلامية، والأaصلب في الدفاع عنه ضد «أعداء الداخل والخارج معاً»، مما جعله موضع تقدير القيادة العليا، ومنحه تغلغلاً ثقيلاً داخل أجهزة الدولة، نظير تبعيته المباشرة للمرشد، الذي يشغل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية ويتكفل بتعيين قادة الحرس، بعيداً عن الحكومة المدنية، فنسج علاقة ثنائية تتسم بالتعقيد والتشابك والمصلحة المتبادلة، كان لها الإسهام الأكبر في تبوئه مكانة رئيسة لا يستهان بها في الدولة الإيرانية.
فقد دافع الحرس عن خامنئي أمام حملات التشكيك في أهليته الدينية، ودعمه عند تسلمه منصب المرشد الأعلى، تحسباً من نفوذ السياسي المخضرم رفسنجاني الذي خلفه في مقعد الرئاسة (1989- 1997)، فشكل أداته الضروس لحمايته وقمع الأصوات المضادة له وإقناع الجمهور الإيراني به كمحل للثقة، وزعيم جديد ورجل دين متوسط الرتبة، مقابل نيل ضمانته باستمرار نفوذه الذي تمتع به أيام الإمام الخميني، ومنحِه غطاءً سياسياً لمصالحه، بما في ذلك أولوية نيل الأموال الكافية من الميزانية الوطنية، وحصة كبيرة في الاقتصاد الإيراني، وحق النقض في مسائل السياسة الخارجية الرئيسة، وفرع استخباراتي قوي ومنفصل، تمت ترقيته إلى وكالة استخبارات موازية ومن ثم إلى مستوى الجهاز، عدا التمتع بالاستقلال النسبي.
وبالإضافة إلى رأس الهرم؛ يتمتع الحرس بعلاقات متشعبة ووطيدة مع مراكز صنع القرار في إيران، فرجال الدين الذين يديرون مؤسسات رسمية مهمة، مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس خبراء القيادة والسلطة القضائية، يعتمدون على قواته لضمان سيطرتهم عليها، عدا ثقله داخل مجلس الشورى الإسلامي وتقلد رجالاته مناصب وإدارات مختلفة، فيما تمتد صلاته الواسعة لتشمل البازار والحوزة الدينية والمؤسسة الخيرية الواسعة الإمكانيات والحضور ضمن الساحة الإيرانية.
إلا أن علاقة الحرس مع مؤسسة الرئاسة لم تمضِ على سوية واحدة؛ فيغلب عليها التوتر أكثر من التوافق، خاصة عندما تصطدم مع توجه مجتمعي نحو الحرية والديمقراطية، مما ينعكس في اضطراب الشارع الإيراني وتنامي المعارضة السياسية، كما يحدث اليوم.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
23-02-2026 08:20 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||