حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,17 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6463

خالد ملحم يكتب: "السردية الأردنية .. دولة سبقت جغرافيتها"

خالد ملحم يكتب: "السردية الأردنية .. دولة سبقت جغرافيتها"

خالد ملحم يكتب: "السردية الأردنية .. دولة سبقت جغرافيتها"

16-02-2026 04:34 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : خالد ملحم
في زمن تتراجع فيه الدول القطرية إلى هوامشها الضيقة، وتتشبث فيه الكيانات السياسية بحدودها المرسومة تحت وطأة المتغيرات، يبرز الأردن كحالة استثنائية تستعصي على المنطق الجيوسياسي التقليدي. إنه النموذج الذي يقلب المعادلة: جاءت فكرته قبل أرضه، وسبقت رسالته حدوده.

عندما وطئت قدم الأمير عبد الله بن الحسين تراب معان في تشرين الثاني عام 1920، لم يكن يحمل في جعبته مشروع دولة قطرية محددة المعالم. كان يحمل راية الثورة العربية الكبرى، وحلم النهضة العربية، ومسؤولية النسب الشريف. شرق الأردن آنذاك لم يكن كياناً سياسياً موحداً، بل كان مجموعة أقضية عثمانية ومجتمعات قبلية متفرقة. لكن هذه الأرض وجدت في تلك الفكرة ضالتها، وتلك الفكرة وجدت في هذه الأرض حاضنتها.

في مؤتمر معان الذي عُقد ذلك العام، تمت البيعة الأولى للأمير عبد الله، لتتأسس بذلك أولى لبنات العقد الاجتماعي الأردني. لم يكن تحالفاً بين حاكم ومحكوم، بل شراكة في مشروع: الهاشميون يجلبون الشرعية التاريخية والدينية والقومية، والأردنيون يقدمون الأرض والرجال والولاء. من هذا المزيج ولدت الدولة.

المفارقة الأردنية الكبرى أن هذه الدولة وُجدت لتكون مؤقتة. لم ينظر إليها مؤسسوها كغاية نهائية، بل كقاعدة انطلاق لتحرير سوريا وفلسطين وتحقيق الوحدة العربية المنشودة. لكن الظروف الإقليمية والدولية حالت دون ذلك، فتحولت القاعدة المؤقتة إلى دولة دائمة، وتحول الحلم القومي إلى كيان وطني، صياغته القومية سبقت تمركزه الجغرافي.

هذه الأسبقية الزمنية للفكرة على الجغرافيا منحت الأردن خاصية فريدة: المرونة. عندما انفصلت الضفة الغربية إدارياً عام 1988، استوعب التحول. عندما استقبل موجات لجوء متتالية، استوعبها. عندما اهتز محيطه العربي، تكيف. لأن جوهره ليس حدوداً صلبة، بل عقد اجتماعي قائم على رسالة وعقيدة.

ما يعنيه هذا أن الأردنيين تشكلت هويتهم بناءً على فكرة أولاً، ثم على أرض ثانياً. فعندما بايعت العشائر الأردنية الهاشميين، لم تبايع فقط حاكماً، بل بايعت رمزاً لشيء أكبر: الوحدة العربية، الكرامة، حماية المقدسات. الولاء كان للفكرة أولاً، ثم تجسد في الولاء للدولة لاحقاً. ولا جدال أن الخريطة الذهنية لدى أهل الأردن سبقت الخريطة الجغرافية.

هذا يفسر ظاهرة لافتة: أن الأردني يستطيع أن يكون قومياً عربياً ووطنياً أردنياً في آن، دون أن يشعر بتناقض. لأن الوطنية الأردنية عنده ليست نقيضاً للعروبة، بل هي التجسيد العملي لها. الدولة القوية المستقرة هي أفضل خدمة يمكن تقديمها للأمة. ولعل خير دليل على ذلك هو العلم الأردني، المشتق مباشرة من علم الثورة العربية الكبرى، والذي يحمل في ألوانه رمزية قومية قبل أن يكون وطنياً، ليكون شاهداً صامتاً على أسبقية الفكرة.

وهذا الشعور بالرسالة الممتدة هو ما جعل الأردن، رغم محدودية إمكانياته، يحمل هموم الأمة، وفي مقدمتها القدس. فمفهوم الوصاية على المقدسات تجلى بوضوح ومورس رغم غياب الجغرافيا. الأردن جغرافياً ليس موجوداً في القدس اليوم، لكنه حاضر فيها عبر الوصاية منذ عام 1924، حين بايع أهل فلسطين الشريف الحسين بن علي، والهاشميون يحملون هذه الأمانة بالتواتر. خمسة ترميمات كبرى للمسجد الأقصى وقبة الصخرة، آخرها إعادة بناء منبر صلاح الدين، تؤكد أن الفكرة قادرة على تجاوز الجغرافيا وممارسة سلطتها رغم غياب السيادة المكانية.

وفي زمننا المعاصر، تظل هذه المرونة الأردنية مفتاح فهم قدرة الدولة على الصمود. فالاستثناء الأردني في التعامل مع موجات اللجوء المتتالية، وامتصاص الصدمات الإقليمية، والحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي رغم الاضطرابات المحيطة، ليس سوى امتداد طبيعي لهذه الأسبقية: دولة محمية بفكرتها قبل أن تحميها حدودها.

ختاماً: الأردن، في جوهره، ليس مجرد كيان جغرافي على الخريطة. بل هو فكرة عربية تجسدت على أرض الأردن. هو الدولة التي سبقت جغرافيتها، فكانت رسالتها أوسع من حدودها، وكانت حدودها أوفر حظاً من رسالتها.

هذا الميراث الفريد يمنح الأردن مناعة، لكنه يفرض عليه التزاماً مضاعفاً: أن يبقى قوياً كي يحمي رسالته، وأن تبقى رسالته حية كي تبرر قوته. في منطقة تتهاوى فيها الدول وتتفكك فيها الأوطان، يظل الأردن نموذجاً لشيء نادر: وطن لا تحميه حدوده فقط، بل تحميه فكرته.











طباعة
  • المشاهدات: 6463
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
16-02-2026 04:34 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم