حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,11 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7506

ابو دلبوح يكتب: العالم إلى أين؟ مقاربة فلسفية في مصير الإنسان والتاريخ

ابو دلبوح يكتب: العالم إلى أين؟ مقاربة فلسفية في مصير الإنسان والتاريخ

 ابو دلبوح يكتب: العالم إلى أين؟ مقاربة فلسفية في مصير الإنسان والتاريخ

11-02-2026 01:39 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : موفق عبدالحليم ابودلبوح
ليس سؤال «العالم إلى أين؟» استفهامًا عن وجهة جغرافية أو تحوّل سياسي عابر، بل هو سؤال في معنى التاريخ ذاته، وفي طبيعة الإنسان الذي يصنع هذا التاريخ إنه سؤال يتجاوز الأخبار اليومية والتحولات الظرفية، ليطرق أبواب الفلسفة: هل يسير العالم وفق منطق التقدم الحتمي؟ أم أن التاريخ دائرة تعيد إنتاج أزماتها بأشكال مختلفة؟ أم أن المستقبل فضاء مفتوح تصنعه الإرادة الإنسانية بقدر ما تصنعه الضرورة؟

أولًا: التاريخ بين الحتمية والحرية
منذ فلاسفة اليونان وحتى فلاسفة الحداثة، انقسم التفكير حول مسار التاريخ: فمنهم من رأى فيه حركةً تصاعديةً نحو الكمال والعقلانية، ومنهم من اعتبره صراعًا دائمًا بين القوى والمصالح، ومنهم من رآه عبثًا تتناوب فيه الحضارات على الصعود.
أما في عصرنا الراهن، يبدو التاريخ وكأنه يتسارع إلى حدّ يفقد معه الإنسان قدرته على التأمل غير أن هذا التسارع لا يعني بالضرورة تقدمًا أخلاقيًا أو إنسانيًا، فالتقدم التقني لا يساوي دائمًا تقدمًا في الحكمة كون الإنسان امتلك أدواتٍ هائلة، لكنه لم يحسم بعد سؤال الغاية: لماذا يتقدم؟ وإلى أي صورةٍ للإنسان يريد أن يصل؟ إن العالم اليوم يقف عند توترٍ عميق بين الحتميات الكبرى (الاقتصادية، التكنولوجية، البيئية) وبين حرية الإنسان وقدرته على الاختيار وهنا يتحدد المصير: هل يخضع الإنسان لمنطق الآلة والسوق، أم يعيد توجيههما وفق قيمٍ إنسانية عليا؟
ثانيًا: الإنسان في عصر ما بعد الإنسان
أحدثت الثورة التكنولوجية خلخلةً في صورة الإنسان عن نفسه فالذكاء الاصطناعي لا ينافس الإنسان في العمل اليدوي فقط، بل في التفكير والتحليل والإبداع والهندسة الوراثية تتدخل في البنية البيولوجية للحياة ذاتها وهكذا لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟ بل: ما الذي يبقى من الإنسان حين تتولى الآلة كثيرًا من وظائفه؟
لقد انتقلنا من عصر كانت فيه الطبيعة هي التحدي الأكبر، إلى عصر أصبح فيه الإنسان ذاته مشروعًا للتعديل والتطوير وهذا يفتح بابًا فلسفيًا خطيرًا: هل نحن بصدد تجاوز الإنسان إلى كائن «مُحسَّن» تقنيًا؟ وإذا حدث ذلك، فهل سنحتفظ بمعنى الكرامة الإنسانية كما نعرفها اليوم؟ إن العالم قد يتجه نحو رفاهٍ مادي غير مسبوق، لكنه قد يفقد في المقابل شيئًا من عمقه الروحي، إذا لم يُصاحب التقدم التقني وعيٌ أخلاقي يعيد تعريف حدود الممكن والمسموح.
ثالثًا: أزمة المعنى في زمن الوفرة
المفارقة الكبرى في عصرنا أن العالم، رغم تقدمه العلمي والاقتصادي، يعيش قلقًا وجوديًا متزايدًا فوسائل الاتصال وفّرت تواصلًا دائمًا، لكنها لم تضمن شعورًا أعمق بالانتماء والثروة تضاعفت، لكن الطمأنينة لم تتضاعف معها ، لقد أصبح الإنسان محاطًا بالمعلومات، لكنه يعاني من ضياع المعنى وهنا يكمن جوهر الأزمة: العالم لا يحتاج فقط إلى حلول تقنية، بل إلى رؤيةٍ فلسفية تجيب عن سؤال لماذا؟ قبل سؤال كيف؟ فإذا فقدت الحضارة بوصلتها القيمية، تحوّل التقدم إلى سباقٍ بلا غاية، وصار الإنسان أداةً في منظومة إنتاج واستهلاك لا تنتهي.

رابعًا: الطبيعة وحدود الغطرسة الإنسانية
في القرون الماضية، ترسّخ وعيٌ بأن الإنسان سيد الطبيعة، وأن مهمته إخضاعها وتسخيرها غير أن الأزمات البيئية الراهنة كشفت حدود هذا التصور فالعالم البيئي ليس مادةً خامً بلا روح، بل نظامٌ معقد يتأثر بكل تدخل غير محسوب.
إن التغير المناخي ونضوب الموارد ليسا مجرد أزمات علمية، بل هما مرآة فلسفية تكشف وهم السيطرة المطلقة فالعالم إلى أين؟ قد يكون إلى مرحلة يعيد فيها الإنسان اكتشاف تواضعه أمام قوانين الكون، ويتعلم أن البقاء لا يتحقق بالغلبة، بل بالانسجام.
خامسًا: إمكان الأمل ومسؤولية الوعي
رغم سوداوية بعض المشاهد، فإن التاريخ لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا نحو الانهيار فالأزمات الكبرى كانت في كثير من الأحيان مخاضًا لتحولات نوعية غير أن الأمل ليس شعورًا ساذجًا، بل موقفًا أخلاقيًا قائمًا على العمل والاختيارفالعالم لا يتحرك بقوة القدر وحده، بل بإرادة البشر وكل جيلٍ يرث عالمًا لم يختر ظروفه، لكنه يختار كيف يتعامل معها إن السؤال الحقيقي ليس فقط: إلى أين يسير العالم؟ بل: إلى أين نريد له أن يسير؟.
خاتماً: سؤال مفتوح على المسؤولية
إن العالم إلى أين؟ ليس سؤالًا عن المستقبل بقدر ما هو سؤال عن الحاضر فالمستقبل ليس زمنًا يأتي من تلقاء نفسه، بل نتيجةٌ تتشكل من قراراتٍ يومية، ومن قيمٍ تتجسد في السياسات والثقافات وأنماط الحياة فقد يتجه العالم نحو مزيدٍ من الوعي الكوني، حيث يدرك الإنسان وحدته المصيرية مع غيره ومع الطبيعة وقد ينزلق نحو صراعات أعمق إذا بقي أسير نزعات الهيمنة والأنانية.
في النهاية، لا يكمن الخطر الأكبر في نقص المعرفة، بل في نقص الحكمة والعالم سيكون على صورة الإنسان الذي يصنعه: فإن ارتقى وعيه ارتقى عالمه، وإن ضاق أفقه ضاق به المستقبل وهكذا يظل السؤال مفتوحًا، لا ليبعث القلق، بل ليوقظ المسؤولية.











طباعة
  • المشاهدات: 7506
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-02-2026 01:39 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم