حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,12 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5996

محمد رجب منسية يكتب: إعادة هندسة الزمن: نحو نموذج أردني لأسبوع العمل (4/3) في قلب الاقتصاد العالمي

محمد رجب منسية يكتب: إعادة هندسة الزمن: نحو نموذج أردني لأسبوع العمل (4/3) في قلب الاقتصاد العالمي

 محمد رجب منسية يكتب: إعادة هندسة الزمن: نحو نموذج أردني لأسبوع العمل (4/3) في قلب الاقتصاد العالمي

11-02-2026 01:38 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : المحامي محمد رجب منسيه
لم يعد الزمن الإداري شأنًا محليًا بحتًا؛ فالعالم اليوم يعمل ضمن شبكة زمنية متصلة تتقاطع فيها الأسواق والقرارات والخدمات الرقمية.
في هذا السياق، يبرز مقترح اعتماد ثلاثة أيام عطلة أسبوعيًا (أسبوع العمل المكون من 4 أيام) ليس كدعوة للاسترخاء، بل كخطوة جريئة لإعادة تنظيم إيقاع العمل الوطني بما ينسجم مع الاقتصاد العالمي. الفكرة الجوهرية هنا هي "الاستثمار في النوع لا الكم"، وإدارة الوقت بوصفه موردًا اقتصاديًا يحتاج إلى ترشيد وتكثيف.

أولًا: ثورة الإنتاجية.. من "ساعات الحضور" إلى "جودة المخرجات"

تؤكد الدراسات الإدارية الحديثة أن الإنتاجية لا تُقاس بطول البقاء خلف المكتب، بل بكفاءة ما يُنجز. نظام الأيام الأربعة يفرض نوعًا من "التركيز الإجباري"، حيث يميل الموظفون إلى إلغاء الاجتماعات غير الضرورية وتقليص المشتتات لإنجاز المهام في وقت أقصر. هذا التحول يرفع من القيمة المضافة لساعة العمل الواحدة، ويحول بيئة العمل من "بيئة انتظار" إلى "بيئة إنجاز مكثف". وقد أظهرت تجارب عالمية، مثل تلك التي أجرتها مايكروسوفت في اليابان عام 2019، ارتفاعًا في المبيعات لكل موظف بنسبة 40%، كما كشفت التجربة البريطانية لأسبوع العمل المكون من 4 أيام، والتي شملت 61 شركة وحوالي 2900 موظف، عن انخفاض مستويات التوتر لدى 71% من الموظفين مع استقرار أو زيادة في الإيرادات.

ثانيًا: التوافق مع الاقتصاد العالمي وتسارع القرار

في عالم عابر للحدود، التحدي لا يكمن في تعطيل المؤسسات، بل في ضمان استمرار "الاستجابة". يمكن للأردن أن يلعب بذكاء عبر تفعيل أنظمة العمل المرن والمناوبات في القطاعات الحيوية، وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية (24/7). هكذا، تظل قنوات التواصل مع الأسواق الدولية مفتوحة، بينما يحصل الجهاز الإداري على فرصة لإعادة شحن طاقته الإبداعية، مما يمنع "العزلة الإجرائية" ويعزز التنافسية الاستثمارية للمملكة. هذا التوجه يتماشى مع رؤية التحديث الاقتصادي وخارطة طريق تحديث القطاع العام في الأردن، والتي تركز على التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات.

ثالثًا: الأثر البيئي.. "الاستدامة غير المباشرة"

إضافة يوم ثالث للعطلة ليس مجرد مكسب إداري، بل هو قرار بيئي بامتياز. تقليص أيام العمل بنسبة 20% يعني:
انخفاض ملموس في الانبعاثات الكربونية نتيجة تقليل حركة مئات الآلاف من المركبات ليوم كامل.
ترشيد استهلاك الطاقةفي المباني الحكومية والمنشآت (تكييف، إضاءة، تشغيل).
هذا التحول يدعم التزامات الأردن الدولية تجاه التغير المناخي ويخفف الضغط على البنية التحتية للطرق.

رابعًا: كسر القوالب التقليدية وتحديث الإدارة

إن "صنم الدوام الموحد" الذي يبدأ وينتهي في اللحظة ذاتها لجميع القطاعات هو المسؤول عن الازدحام المروري والهدر الزمني. اعتماد نوافذ زمنية مرنة وتفويض الصلاحيات الرقمية يحرر الدولة من "الارتباط الفيزيائي" بالمكان، ويجعل إنجاز المعاملات أسرع وأكثر مرونة، بما يتماشى مع مفهوم الحكومة الذكية التي لا تنام. يتطلب هذا التحول الأتمتة الكاملة للخدمات الحكومية لضمان استمرارية العمل وفعاليته.

خامسًا: قراءة معاصرة ليوم الجمعة (العبادة والعمل)

يوم الجمعة يحمل قيمة روحية كبرى، والقرآن الكريم لم يدعُ فيه إلى الخمول بل قال: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ)). إن تنظيم العمل في هذا اليوم بنماذج مرنة (مثل العمل عن بُعد أو الساعات الجزئية) يحقق التوازن بين الحق الروحي والضرورة الاقتصادية، ويخرجنا من إطار الموروث الذي يربط العطلة بالتوقف التام عن الإنتاج.

سادسًا: المكاسب الاجتماعية ومحركات الاستهلاك

الموظف الأكثر راحة هو مستهلك أكثر نشاطًا. يوم إضافي يعني زيادة في وتيرة السياحة الداخلية، وتنشيط قطاعات الترفيه والخدمات، وتحسين الصحة النفسية للعاملين. الاقتصاد المعرفي الذي يطمح إليه الأردن يعتمد على عقول مبدعة، والإبداع لا يزدهر في بيئات الاحتراق الوظيفي. هذا يعزز من جودة الحياة الوظيفية ويسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وإنتاجية.

سابعًا: معالجة الفجوة بين القطاعين العام والخاص وتحديات التطبيق

أحد أبرز التحديات التي تواجه تطبيق هذا المقترح في الأردن هو الفجوة المحتملة بين القطاعين العام والخاص، حيث يحدد قانون العمل الأردني 48 ساعة عمل أسبوعيًا. لمعالجة هذه الإشكالية، يرى خبراء إداريون ضرورة تبني إطار سياساتي متوازن يمنع تعميق الفجوة ويحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي [4]. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
المرونة التشريعية بدل الإلزام: السماح بتوزيع ساعات العمل الأسبوعية بمرونة عبر أنماط مختلفة دون تعديل قانون العمل حاليًا.
التحفيز بدل الإكراه: تقديم حوافز للقطاع الخاص الذي يعتمد أنماط العمل المرنة، مثل الأولوية في العطاءات وتسهيلات تمويلية.
اعتماد الإنتاجية معيارًا أساسيًا: دعم الشركات لتبني إدارة العمل بالنتائج ومؤشرات الأداء بدلاً من التركيز على ساعات الحضور.
التطبيق المتدرج: البدء بتطبيق المقترح في قطاعات معينة ومؤسسات جاهزة لإدارة الأداء، مع استثناء القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم في البداية، وإجراء مرحلة تجريبية لتقييم الأثر.

خاتمة

إن مقترح أسبوع العمل (4/3) هو بمثابة "إعادة هندسة" للزمن الوطني. العالم يتجه نحو نماذج عمل أكثر مرونة، والدول التي تملك الجرأة على التجريب هي التي ستقود المستقبل. الأردن، بتبنيه لهذا التوجه، لا يمنح مواطنيه "وقتًا للراحة"، بل يمنح اقتصاده "زخمًا للنمو" وعقلية إدارية تواكب إيقاع عالم لا ينتظر المتأخرين.

الاستاذ المحامي محمد رجب منسية











طباعة
  • المشاهدات: 5996
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-02-2026 01:38 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم