حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,11 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6860

م.صلاح طه عبيدات يكتب: هندٌ بين مهابة الاسم وابتذال العصر

م.صلاح طه عبيدات يكتب: هندٌ بين مهابة الاسم وابتذال العصر

م.صلاح طه عبيدات يكتب: هندٌ بين مهابة الاسم وابتذال العصر

11-02-2026 12:44 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
اسمٌ واحد قد ينهض بتاريخٍ كامل من دلالات الهيبة والرفعة، وقد يهبط في لحظةٍ إلى دركٍ من الالتباس والارتياب. وهكذا تتأرجح “هند” بين ما رسمته المعلّقات من أمجاد، وما يرسّخه عصرٌ مضطرب من مفارقات لا تنتهي.
كان العرب إذا ذكروا “هند” تخيّلوا المئة من الإبل، وامتدّت أمامهم صور الخصب والعزّ والوفرة وكرم المحتد. وكان الشعراء يتسابقون نحو هذا الاسم كأنه وطنٌ لغويّ يجدون فيه متّسعًا للبطولة والفخر والغزل. أمّا اليوم فتبدو “هند” ـ أيّ هندٍ كانت ـ علامةً على الزمن نفسه: زمنٍ يتبدّل فيه المعنى بسرعة رسالةٍ مسرّبة، ويقع الاسمُ العريق فريسةً لسيل الصور المختلطة بين الادّعاء والواقع، وبين الخطاب البهيّ والحقيقة المتوارية.
ظلّت هند بنت عتبة توقظ نخوة الفرسان بقولها: "نحن بنات طارق" فتهتزّ الأرض تحت أقدامهم، وظلّت هند عنترة تسكن قلب فارسٍ يقاتل والنصال مغروسة في جسده. تلك الهندان طبعتا الذاكرة العربية ببريقٍ لا يُمحى. وفي المقابل يظهر زمنٌ آخر، تُغلف فيه الكلماتُ نفسها بقشرة خطابٍ حقوقيّ أو سياسيّ، بينما يتوارى جوهرها خلف تناقضات تكشف ضعفًا في الموقف أكثر مما تُظهر قوةً في المنطق.
تتسع الفجوة بين الاسم ومعناه مع كل عصرٍ يُعيد ترتيب منظومة القيم. فالبوم الذي كان العرب يتطيّرون منه، ويرتجفون لسماع نعيقه، يبدو أرحم من بعض الخطابات المعاصرة؛ إذ يكتفي بالنعيق، بينما تواصل بعض الألسنة نعيقها فوق الخراب مُشيّدةً له تبريرًا وتأويلاً.
هكذا يصبح السؤال: "أيّ هندٍ هذه؟" سؤالًا عن الإنسان قبل الاسم، وعن المعنى قبل اللفظ، وعن الفعل قبل الادّعاء. فالهويّة اليوم تُبنى بما نفعله، لا بما نحمله من أسماء ثقيلةٍ لا ننهض بها.
ولعلّ أعظم سقوط يطال الإنسان هو سقوط المعنى لا سقوط السمعة، لأن السمعة قد تُرمّم، أمّا المعنى فإذا تهشّم لا تجمعه ألف ناقةٍ ولا ألف خطاب.
هندٌ جديدة تولد كل يوم؛
هندٌ تشبه مجدًا اندثر، أو هندٌ تعيد إنتاج صدى البوم، أو هندٌ تحاول أن تُثبت أنّ الاسم لا يزال قادرًا على حمل ما وُضع له من دلالات.
وبين هذه وتلك يظلّ الزمن كفيلًا بتمييز الوهج من الزيف، والصوت من الصدى، والاسم من أثره.











طباعة
  • المشاهدات: 6860
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-02-2026 12:44 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم