حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,10 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5170

د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: الأردن وتركيا .. شراكة تكتب بالحبر التاريخي

د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: الأردن وتركيا .. شراكة تكتب بالحبر التاريخي

د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: الأردن وتركيا ..  شراكة تكتب بالحبر التاريخي

10-02-2026 09:59 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.عبدالله سرور الزعبي
ليس الأردن دولة وُلدت من فراغ الجغرافيا، ولا كيانًا طارئًا على خرائط السياسة، بل هو امتداد تاريخي لمشروع نهضوي عربي كبير، ونتاج لحظة مفصلية في تاريخ المشرق، حين حاول العرب، بقيادة الشريف الحسين بن علي، استعادة حقهم في الدولة والسيادة والقرار. ومنذ تلك اللحظة، حمل الأردن عبء التاريخ كما حمل مسؤولية المستقبل، وظلّ يتحرّك بينهما بوعي الدولة لا بردّ فعل اللحظة.


جاء الأردن وريثًا مباشرًا للثورة العربية الكبرى، لا بوصفها حدثًا عسكريًا فقط، بل كمشروع تحرّر عربي هدفه بناء دولة العرب الواحدة، دولة القانون والنهضة والاستقلال. وقد عبّرت مراسلات الشريف الحسين - مكماهون بوضوح عن وعدٍ بدولة عربية كبرى، كان من المفترض أن تمتد من الجزيرة إلى الشام والعراق، قبل أن تُجهضها السياسات الاستعمارية، وتُجزّئ الجغرافيا، وتُعيد تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى لا طموحات شعوبها.
وفي هذا السياق، لم يكن الأردن دولة بديلة عن مشروع فشل، بل الدولة التي حفظت جوهر المشروع، فكرة الدولة العربية، وشرعية الحكم، واستقلال القرار، والالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين والقدس.
عرفت المنطقة العربية أشكالًا متعددة من الخلافة؛ الراشدية، والأموية، والعباسية، والعثمانية، وصولًا إلى خلافة الشريف الحسين بن علي، التي وُلدت في لحظة انتقال تاريخي بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الحديثة. ورغم أن هذه الخلافة لم تكتمل سياسيًا، إلا أن معناها الرمزي والتاريخي لم ينقطع، بل انتقل إلى صيغة جديدة، دولة ذات شرعية تاريخية، ومنظور عربي، وهوية سياسية واضحة. هنا، يتموضع الأردن لا كدولة تبحث عن دور، بل كدولة تعرف موقعها في التاريخ، وتدرك أن السياسة ليست فقط إدارة مصالح، بل صيانة ذاكرة، وحماية معنى.
في المقابل، تعيش تركيا الحديثة حالة مركّبة، دولة قومية تأسست على أنقاض الخلافة العثمانية، لكنها اليوم، في ظل التحوّلات العالمية، تعيد قراءة تاريخها وموقعها. فتركيا لم تعد تكتفي بدور إقليمي هامشي، بل تتحرّك بثقة لاعب صاعد، يبني تحالفات، ويمدّ نفوذه السياسي والاقتصادي والعسكري، من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط، ومن القوقاز إلى إفريقيا.
تحالفات تركيا الجديدة، وانفتاحها المدروس على العالم العربي، ودورها المتزايد في قضايا المنطقة، لا يمكن فصلها عن إدراكها بأن النظام الدولي القديم يتآكل، وأن الفراغ يولّد فرصًا لمن يملك الرؤية والقدرة.
في قلب هذا المشهد، تبرز الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس كنقطة التقاء نادرة بين التاريخ والسياسة، بين الشرعية الدينية والشرعية الدولية. وهي وصاية لم تُفرض بالقوة، بل تأسست على البيعة، واستمرّت بالثقة، وتكرّست بالعمل اليومي في حماية هوية القدس ومقدساتها.
دعم تركيا المتواصل للوصاية الهاشمية، والذي تُوّج في قمة منظمة التعاون الإسلامي بتاريخ 18/5/2018، الذي عقد في إسطنبول لدعم هذه الوصاية، ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل اعتراف سياسي بدور الأردن المحوري، وإدراك بأن القدس لا تُدار بالشعارات، بل بالشرعية والاستمرارية والحكمة.
هنا، تكتسب زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني إلى إسطنبول دلالتها الأعمق. فإسطنبول ليست مدينة تركية عادية، بل عاصمة القرار التاريخي العالمي لأكثر من خمسة قرون، ومركز الخلافة العثمانية، ورمز التقاء الشرق والغرب. اختيار إسطنبول بدل أنقرة لم يكن صدفة، بل رسالة سياسية مشفّرة، تقول إن الحوار بين الأردن وتركيا لا يقتصر على الحاضر، بل يمتدّ إلى التاريخ، ويستشرف المستقبل.
تقديم جلالة الملك قلادة الشريف الحسين بن علي؛ أعلى وسام أردني، إلى الرئيس التركي في إسطنبول تحديدًا، يحمل رسالة متعددة المستويات، رسالة وفاء للتاريخ، ورسالة شراكة للمستقبل، ورسالة تقول إن الشرعية العربية التاريخية لا تتناقض مع الدولة التركية الحديثة، بل يمكن أن تلتقي معها على قاعدة الاحترام المتبادل والدور المشترك في استقرار الإقليم.
ولو كان الهدف بروتوكوليًا، لتمّ منح الوسام في عمّان. لكن أن يتم ذلك في إسطنبول، وفي هذا التوقيت، فهو تأكيد على أن الأردن يدير سياسته الخارجية بعقل استراتيجي يفهم الرمز كما يفهم المصلحة.
في عالم يتجه نحو التعدّدية القطبية، حيث تتقدّم الصين اقتصاديًا، وتعود روسيا لاعبًا صلبًا، ويبحث الاتحاد الأوروبي عن استقلال استراتيجي، لا يقف الأردن متفرّجًا. بل يعيد التموضع بهدوء، ويبني شراكات استراتيجية مع أوروبا، ويوازن علاقاته الدولية، من دون أن يفقد بوصلته أو يغامر بثوابته.
القضية الفلسطينية، والقدس، والوصاية الهاشمية، ليست أوراق تفاوض لدى الأردن، بل أساس دوره الإقليمي، وحمايتها لا تكون بالصدام، بل ببناء شبكة تحالفات ذكية تحصّن هذا الدور وتمنحه عمقًا دوليًا.
تركيا، كقوة إقليمية صاعدة، تطمح لأن تكون إحدى عواصم القرار في المنطقة. والأردن، بدوره، لا ينافس على النفوذ، بل يصوغ التوازن. وبين الطرفين، تاريخ مشترك، ومصالح متقاطعة، وفرصة لبناء نموذج شراكة يعترف بالاختلاف ويستثمر في المشترَك.
في زمن الارتباك العالمي، يتميّز الأردن بأنه دولة تعرف ماذا تريد، وماذا لا تريد. يقوده ملك يمتلك قدرة نادرة على قراءة التحوّلات قبل اكتمالها، ويُدرك أن السياسة ليست اندفاعًا، بل تموضع ذكي في لحظة سيولة تاريخية.
الأردن، وريث الثورة العربية الكبرى، لم يتخلَّ يومًا عن دوره، بل أعاد تعريفه بما يليق بدولة صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في المعنى، وحاضرة في التاريخ، ومؤهلة لصناعة المستقبل.

*مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية











طباعة
  • المشاهدات: 5170
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
10-02-2026 09:59 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم