حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,9 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7589

د. هيثم علي حجازي يكتب: عطلة ثلاثة أيام: رفاهية إدارية أم مخاطرة اقتصادية واجتماعية؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: عطلة ثلاثة أيام: رفاهية إدارية أم مخاطرة اقتصادية واجتماعية؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: عطلة ثلاثة أيام: رفاهية إدارية أم مخاطرة اقتصادية واجتماعية؟

09-02-2026 01:44 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
تشهد الأوساط الرسمية والإعلامية في الأردن تداولا لفكرة تمديد عطلة نهاية الأسبوع إلى ثلاثة أيام مقابل زيادة ساعات العمل الأسبوعية بنحو ساعتين، مع الإشارة إلى احتمال استثناء بعض القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم. ويترافق ذلك مع تأكيدات حكومية أن هذا الطرح ما يزال في إطار النقاش الأولي، وأن هناك دراسات يتم إعدادها، ولم يُتخذ قرار نهائي بشأنه.

ورغم أن هذا التوجه قد يبدو مغريا تحت عناوين مختلفة مثل “المرونة الوظيفية” و“تخفيف الازدحام المروري” و“خفض كلف الطاقة والتنقل” و"ترفيه الموظفين"، فإن إسقاطه على واقع الاقتصاد الأردني، الذي يعاني أصلا من تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية قد يجعل منه مغامرة حقيقية تمس الإنتاجية، وتضعف تنافسية بيئة الأعمال، وتؤثر سلبا على ثقة المستثمرين، فضلا عن انعكاساته الاجتماعية الأعمق مما قد يبدو في الظاهر.

يقوم المقترح ضمنيا على افتراض مفاده أن إضافة ساعتين إلى أيام العمل المتبقية يمكن أن تعوّض عن يوم عمل كامل يتم استبعاده من الدورة الأسبوعية. وقد يكون هذا الافتراض قابلا للتطبيق في بعض القطاعات المحدودة التي تعتمد على العمل المعرفي الفكري أو المكتبي القابل لقياس الإنتاج بالمخرجات، لكنه يصبح إشكاليا إلى حد كبير في اقتصاد مثل الاقتصاد الأردني، حيث تتشابك قطاعات الخدمات والتجارة اليومية وسلاسل التوريد والإنجازات الحكومية مع القطاع الخاص بشكل وثيق.
فعليا، يؤدي “الانقطاع” الأسبوعي الطويل إلى كلف غير مرئية، أبرزها: (1) تأخير إنجاز المعاملات وتراكم الملفات، حتى مع الحديث عن رقمنة الخدمات (2) تعطّل قرارات الأعمال التي تتطلب موافقات وتواقيع وتنسيقا بين أكثر من جهة رسمية على مدى أيام متتالية (3) تباطؤ سرعة دوران الأموال في الأسواق، وهو عامل شديد الحساسية في فترات الركود وضعف السيولة.
إن الأردن لا يمتلك الأردن ترف اختبار نماذج عمل جديدة في القطاع العام قبل إجراء إصلاح جذري وحقيقي على منظومة الأداء. فتقليص أيام الدوام قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات قائمة بالفعل، من بينها (1) ترسيخ ثقافة “الإنجاز في اللحظة الأخيرة”، وتكدس المراجعين خلال أربعة أيام بدل توزيعهم على أيام الأسبوع (2) زيادة الضغط على الموظفين في أيام العمل الأطول، الأمر الذي سيؤدي الى ارتفاع مستوى الإرهاق وضغوط العمل مما سيؤثر سلبا في جودة الخدمات المقدمة (3) اتساع ظاهرة “ترحيل العمل إلى الأسبوع التالي” نتيجة اتساع الفجوة الزمنية بين أسابيع العمل.
والنتيجة المتوقعة لذلك هي خدمات أبطأ، وشكاوى متزايدة، واحتكاك يومي أكبر بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهي جميعها عوامل تتحول في المحصلة إلى كلفة اقتصادية غير مباشرة.
ويجب الانتباه إلى أن جذب الاستثمار الأجنبي لا يقوم على منح الحوافز الضريبية أو انخفاض كلفة العمالة فحسب، بل يرتكز أيضا على ثلاثة عناصر رئيسية (1) قابلية التنبؤ بالسياسات والإجراءات (2) استقرار الأطر التنظيمية والإدارية (3) سرعة إنفاذ العقود وتقديم الخدمات.
وعندما يتلقى المستثمر إشارة مفادها أن القطاع الحكومي قد يعمل أربعة أيام فقط في الأسبوع، في وقت تختلف فيه ساعات وأيام العمل بين القطاعات الأخرى أو تُستثنى بعضها، فإن تساؤلات منطقية ستفرض نفسها، مثل: (1) من سيُنجز التراخيص؟ ومن يوقع عليها؟ ومتى؟ (2) هل ستتأخر إجراءات الجمارك واللوجستيات والمعاينات الفنية؟ (3) هل ستتأثر سلاسل الإمداد بين الأردن وشركائه الذين يعملون وفق أنظمة أسبوع عمل مختلفة؟
وحتى لو كان الهدف المعلن من هذا القرار هو رفع الكفاءة، فإن الرسالة التي قد تصل إلى الخارج قد تكون معاكسة تماما: دولة تواجه تحديات اقتصادية لكنها تقلّص أيام العمل الرسمية.
يعتمد الاقتصاد الأردني بدرجة كبيرة على قطاعات تقوم على الحركة اليومية المستمرة، مثل تجارة التجزئة، والمطاعم، والخدمات، والنقل، والسياحة الداخلية، والأعمال الصغيرة. وأي إغلاق أو تباطؤ في “المفاصل” الحكومية لثلاثة أيام أسبوعيا سيُلزم القطاع الخاص بـ (1) تحمّل كلف انتظار أطول، إذ أن الوقت يعني المال (2) إعادة جدولة عمليات الدفع والتحصيل والتسليم (3) خسارة فرص أعمال مرتبطة بمواعيد التوريد، والاعتمادات، والفواتير، والمناقصات.
قد يُقال إن القطاع الخاص قادر على الاستمرار رغم ذلك، وهو صحيح نظريا، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في أن جزءا كبيرا من القطاع الخاص مرتبط إداريا بالدولة عبر التراخيص والموافقات والرقابة والمعاملات، وأي تباطؤ في حلقة واحدة كفيل بشل سلسلة كاملة من النشاط الاقتصادي.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد تبدو العطلة الممتدة ميزة للأسر، لكنها في ظل ضعف الدخل قد تُفضي إلى نتائج عكسية، من أبرزها (1) زيادة الإنفاق الاستهلاكي خلال أيام العطلة على المواصلات والترفيه والمطاعم، مما يثقل كاهل أسر تعاني أصلا من ضغوط معيشية (2) اتساع الفجوة بين فئات قادرة على “الاستمتاع” بثلاثة أيام عطلة، وأخرى مضطرة للعمل الإضافي لتعويض الدخل (3) ضغط أكبر على المرافق العامة والطرق والخدمات خلال أيام العطلة، مما قد يحولها إلى أيام ازدحام بدل أن تكون أيام راحة.
إن مؤيدي فكرة ثلاثة أيام عطلة أسبوعية ينطلقون في موقفهم من الاعتقاد ان هذا الاجراء يعمل على تقليل الازدحام المروري، وخفض كلف التنقل، وتحسين الرضا الوظيفي. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل تكمن مشكلة الأردن في عدد أيام الدوام، أم في جودة الإدارة، ومستوى الإنتاجية، ووتيرة التحول الرقمي؟
في اقتصاد يواجه تحديات هيكلية ويحتاج إلى تحفيز النمو، ورفع الإنتاجية، واستعادة الثقة، فإن الانتقال إلى عطلة نهاية أسبوع من ثلاثة أيام يجب أن يُنظر إليه كقرار عالي المخاطر ما لم يسبقه تحول رقمي شامل، وإصلاح إداري صارم، وقياس دقيق وشفاف للأثر. وللتذكير هل تم قياس أثر عطلة يوم السبت التي كان قد تم إقرارها قبل سنوات عديدة؟ وهل تم قياس أثر الاستمرار في التوقيت الصيفي طوال أيام السنة؟
اليوم، يحتاج الأردن إلى رسالة واضحة لا لبس فيها: العمل والإنتاج أولوية، والمرونة الحقيقية تُبنى على الكفاءة وتحسين الأداء، لا على تقليص أيام العمل.











طباعة
  • المشاهدات: 7589
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
09-02-2026 01:44 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم