08-02-2026 11:31 AM
سرايا - سعيد يعقوب علمٌ من أعلام الشّعر العربيٍّ الحديث، ومن يقف على أعماله الشّعريّة والمسرحيّة يقف إجلالًا وإكبارًا أمام شاعرٍ ركب حصان الشّعر وأطاعه، فجاءته أعنّته منقادةً، حمل همَّ أمّته ومجتمعه، وكان مثقفًا عارفًا واعيًا.
إذ صدر ليعقوب أكثر من أربعة وثلاثين ديوانًا ومسرحيّة، وغزارة مادّته الشّعريّة والمسرحيّة تدلُّ على ملكةٍ وموهبةٍ مطبوعتين لا مصنوعتين؛ فقد أصدر ديوانه الأوّل «العلائيّات» سنة ألفٍ وتسعمئة وخمسٍ وثمانين ميلاديّة، إذ تكشفت موهبته الشّعريّة مبكّرًا قبل السّابعة عشرةَ من عمره، وقد استطاع أنْ يؤسّس لنفسه معجمًا دلاليًا يتّسعُ أنْ يستوعبَ أيَّ صورةٍ ومعنى، بل إنَّ كثرة الجوائز الّتي حصدها يعقوب تدلُّ على استحقاق وإقرار بأنّه علم من أعلام الشّعر العربيّ؛ إذ حصل على عديدٍ من الجوائز من مؤسّساتٍ عدّة، وشارك في عشراتٍ من اللقاءات في برامج ثقافيَّةٍ في فضائيَّات وإذاعاتٍ محليَّة وعربيَّة، وقدَّم لأكثرَ من أربعينَ ديوانَ شعرٍ من شعراء العرب، ونشر كثيرا من القصائد الشّعريّة في الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، وشارك في كثيرٍ من الأمسيات الشّعرية، والمهرجانات، والمناسبات الوطنية، والدينيَّة، والاجتماعيَّة.
وأمّا ديوان الطّقوس فقد قرأتُ قصائدَه قراءَة المدقّقِ المُعجَبِ الذي لا ينفكّ أنْ يتمَّ قصيدةً حتّى يأتيَ إلى أخرى؛ دون أنْ تملَّها نفسٌ؛ إذ تريحُكَ قصائدُه، ومقطوعاتُه، وتأخذُك إلى عالمٍ من الصّور والأخيلةِ الّتي أبدعَها يعقوبُ في فنّيةٍ تصدقُ أنْ نشيد بموضوعيّة، واستحقاقٍ بمقدرته الكبيرة على استحضار الصّور الدّقيقة، ورسم الأخيلة العميقة.
ويشتملُ هذا الدّيوانُ على قصائدَ مؤتلفةٍ معَ عنوانِه «طقوسُ الوَجْدِ والتّيه»؛ إذ استطاعَ الشّاعرُ أن يرسمَ للقارئِ لوحاتٍ معجبةً من طقوسٍ إنسانيّةٍ مؤتلفةٍ بين أضدادٍ مختلفةٍ: يُمكن أنْ نجمعَها تحت مسمى مختلفاتٍ مُؤتلفاتٍ؛ وإنْ شئْتَ؛ جدليّاتٍ ثنائيّاتٍ؛ فرحٍ وحزنٍ، ولقاءٍ وفراقٍ، وثباتٍ وحركةٍ، وماضٍ وحاضرٍ، وحياةٍ وموتٍ، وقوّة وعجزٍ.
وقدِ اشتملَ ديوانُ الطّقوسِ على أربع وثلاثينَ قصيدةً ومقطوعةً شعريّةً متنوّعةً، تتناغمُ معَ حاجاتِ النّفسِ الإنسانيّةِ واهتماماتِها وتطلّعاتِها؛ نحو هذي فلسطين، وفي مجلس اللّذات، وآفة المخدّرات، وذئبٌ ونعاجُ، وحسنُ الختام، وآخر المطاف والدّنيا.... وقصائدُ أخرى تعبّر عن مشاركة الشّاعر لمناسبات مجتمعيّة؛ نحو قصيدة «في المولد النّبويّ الشريف»، واليوبيل الذّهبي لرابطة الكتّاب الأردنيّين، وسندس الصّيداوي، وغيرها.
والاتّجاهاتُ الشّعريّةُ للشّاعرِ فيها تنوّعٌ وغنًى؛ إذ تجد النّزعةَ الدينيّةَ حاضرةً بقوّةٍ في قصائدِ الطّقوس، وتتبدى بصورةٍ بيّنة في قصائدَ كثيرةٍ؛ نحو قصيدةِ «حُسنُ الختام، والنّهايةُ واحدةٌ، و»في المولد النّبويّ الشّريف»، و»سندس الصّيداوي»، وكذلك تتبدّى نزعةٌ شعريّةٌ فلسفيّةٌ تعبِّر عن تجربةٍ قويّةٍ لا يصلُ إليها إلا كبارُ الشعراءِ الّذين صقلتهم تجاربُ الحياةِ، وإشكالاتها، وقدْ انقادَتْ للشّاعرِ بصورةٍ عبقريّةٍ دونَ تكلّفٍ وتصنّعٍ، فيرسم صورَها الدّقيقةَ بأدقِّ تفصيلاتِها، فنراها في قصيدة «الجرحُ الغائرُ»، و»نصيحةٌ»، و»ذئبٌ ونعاجٌ»، و»الدّنيا»، و»آخر المطاف». والنّزعةُ الوطنيّةُ أخذتْ نصيبًا غيرَ قليلٍ في أشعارِه ودواوينِه، ويتمثَّلُ ذلك في ديوانِ «عبير الشّهداء»، و»غزّة تنتصر»، و»مقدسيّات»، وهي حاضرةٌ أيضًا في الطّقوس؛ في قصيدة «هذي فلسطينُ».
وسعيد يعقوب يكونُ حاضرًا في واقعِهِ الاجتماعيِّ الّذي لا ينفكُّ عنهُ ويمثِّلُهُ أصدقَ تمثيلٍ في حسّه ووعيِهِ وواقِعِهِ وفَرحِهِ وهُمومِهِ ومناسباتِهِ، فنراهُ يرسِمُ قضاياهُ واقعًا صادقًا، إذ إنَّ قصائد «آفة المخدّرات» و»في عيد العمّال»، و»اليوبيل الذّهبي لرابطة الكتّاب الأردنيّين» تصدق على تمثيله مناسباتِ المجتمعِ الأردنيّ بشكلٍ خاصٍّ، والمجتمعِ الإنسانيِّ بشكلٍ عامٍّ بروحٍ واقعيّة ممثلةٍ.
إنَّ مَنْ يستقرئُ قصائدَ الشّاعرِ في دواوينِهِ المختلفَةِ يجدُ غنى ً مُعجبًا؛ إنْ في المعاني المستجدّة، وإنْ في الألفاظِ الّتي تنسدلُ على المعنى في هيئةِ ثوبٍ مطرّزٍ بألوانٍ مزركَشةٍ بحلًى نفيسةٍ، يأخذ النّفسَ إلى أنْ تتناغمَ في تيهٍ من المعاني المختلفة المؤتلفة، مع الألفاظ المنتقاة من معجم لغويٍّ ينسابُ بيسرٍ، وسلاسة، وثراءٍ مُعجبٍ في أسلوبيّة فذّةٍ، تسبكُ الألفاظ إلى جانب بعضها بعضًا، بحيث تصبح جسدًا واحدًا مع روح المعنى.
ومعجمُ سعيد يعقوب اللّغويُّ في دواوينِه المختلفةِ يجبُ أنْ تتوقّفَ عندَهُ أنظارُ الباحثينَ اللّغويّينَ وينصفوه في دراساتٍ لسانيّةٍ؛ لغويّةٍ، ودلاليّةٍ، وصوتيّةٍ، وأسلوبيّةٍ، وسيميائيّةٍ، ينتفع منها أصحابُ اللّغةِ والدّارسونَ.
ومستصفى القولِ فيما تقدّم قبلًا أنَّ ما قلته فيه لم يعطِه حقّه بل إنّها مقدّمةٌ منقوصةُ في وصف ِأعمالِه؛ بلْ موسوعةُ أعمالِهِ الشّعريّةِ فيما اشتملتْ عليهِ من موضوعاتٍ كثيرةٍ؛ هي عناوينُ رسائلَ بحثيّةٍ، ودراساتٍ علميَّةٍ مُحَكَّمَة.
(أستاذ اللّسانيّات والعلوم اللّغويّة/ جامعة الخليل/ فلسطين)
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
08-02-2026 11:31 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||