حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,5 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4241

د. حمزه العكاليك يكتب: إعادة ضبط تنظيمية: قصة إصلاح التأمين بقيادة البنك المركزي

د. حمزه العكاليك يكتب: إعادة ضبط تنظيمية: قصة إصلاح التأمين بقيادة البنك المركزي

د. حمزه العكاليك يكتب: إعادة ضبط تنظيمية: قصة إصلاح التأمين بقيادة البنك المركزي

05-02-2026 11:07 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. حمزه العكاليك
في يونيو 2021، لم يكن البنك المركزي الأردني يستلم مجرد ملف رقابي جديد؛ بل كان يستلم إرثاً مثقلاً بالتحديات وقطاعاً يعاني من ترهل تنظيمي. اليوم، وبعد أقل من أربع سنوات، شهد سوق التأمين الأردنية ولادة جديدة، تُبنى على أسس متينة من الحوكمة الرشيدة والشفافية. هذا التحول الدراماتيكي لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان ثورة حقيقية أعادت صياغة الفلسفة الكاملة للخدمة التأمينية، لتحويل الشركة من خصم محتمل إلى شريك مبادر في الحماية. إنها قصة إصلاح استراتيجي تقوده قبضة تنظيمية حكيمة، مدعومة بحزمة تشريعية طموحة تهدف إلى جعل القطاع الأردني نموذجاً إقليمياً يُحتذى به.


ولقد جاء قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (12) لسنة 2021 لينقل الصلاحيات الرقابية بشكل كامل للبنك المركزي، مُحولاً هدف الرقابة من مجرد مراقبة شكلية إلى ضمان الاستقرار المالي وتعزيز حوكمة الشركات. فلقد أدرك المشرع أن أزمة القطاع السابقة كانت، في جوهرها، أزمة حوكمة. ولذلك، ركز القانون على مفاهيم جوهرية جديدة، مثل فصل الإدارة عن الملكية وتعريف المساهم الرئيسي والمصلحة المؤثرة، لمنع تداخل المصالح الذي كان يستنزف أموال المؤمن لهم.


كما تم العمل بشكل موازي مع ترسيخ مفهوم الحوكمة على تعزيز ملاءة شركات التأمين من خلال تعديل تعليمات الحد الأدنى لرأس المال والعمل على تطبيق تعليمات تواكب المتطلبات الدولية وافضل الممارسات المتعلقة بملاءة الشركات، للوصول لشركات تتمتع بملاءة مالية تساعدها على تنفيذ أدوارها في الاقتصاد الأردني.


ولم يتوقف العطاء التشريعي عند هذا الحد، ففي عام 2024 فلقد صدر نظام صندوق ضمان المؤمن لهم والمستفيدين (رقم 53 لسنة 2024)، ليشكل شبكة أمان اجتماعية واقتصادية أخيرة تحمي حقوق المتضررين في حال عجز أي شركة عن الوفاء بالتزاماتها. كما شهد نفس العام إصدار أنظمة جديدة للتأمين الإلزامي للمركبات، ونظام معدل للاتحاد الأردني لشركات التأمين لتعزيز دوره الرقابي والتنظيمي الذاتي للقطاع. هذه الحزمة المتكاملة حوّلت البيئة التشريعية من إطار فضفاض إلى نظام متكامل يحمي جميع أطراف العملية التأمينية.


ولطالما كانت الصورة النمطية لشركة التأمين هي كيان بيروقراطي، يضع العوائق أمام العميل ويتعامل مع المطالبات ببطء وتشكك. واما اليوم، وبموجب التعليمات الرقابية الجديدة مثل تعليمات أصول ممارسة المهنة؛ انقلبت الآية. فلم يعد المتضرر هو من يركض خلف الشركة، بل أصبحت الشركة هي التي تتواصل مباشرة معه فور الإبلاغ عن الحادث. هذا التحول الثقافة من التهرب إلى ثقافة المسؤولية.


كما واجه البنك المركزي تحدياً كبيراً عند استلامه القطاع: فكيف يمكن تصفية الشركات المتعثرة التي تهدد استقرار القطاع، دون التسبب في صدمة تؤذي المؤمن لهم وتقوض الثقة؟ كان الرد استراتيجياً وحكيماً، ويعكس فهماً عميقاً لدور المؤسسة كحامٍ للاستقرار المالي الكلي.
فبين عامي 2021 و2025، انخفض عدد شركات التأمين العاملة في السوق من 23 إلى 19 شركة، وهو انخفاض يدل على بدء عملية حوكمة تنظيمية وتدقيق صارم. حيث يتم منح الشركات التي تعاني ضعفاً مالياً فترة لتصويب أوضاعها، ولكن هذه المهلة ليست شيكاً على بياض. فهي تصاحبها عادةً إجراءات تقييدية مشددة، مثل منع الشركة من إبرام عقود جديدة، وتعيين لجان إدارية مؤقتة تشرف عليها الرقابة المركزية مباشرة. وإذا فشلت الشركة في الاستجابة، يأتي قرار التصفية الإجبارية كحل أخير لحماية أموال الجمهور. هذا النهج التصاعدي يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية لجمعيات مراقبي التأمين العالمية، ويضمن عدم انتقال أي عدوى مالية إلى القطاع المصرفي المتشابك مع شركات التأمين.
وعلى الرغم من التحديات، بدأت مؤشرات القطاع تظهر تحسناً ملموساً وقوة كامنة. ففي عام 2025، بلغت الأقساط المكتتبة الإجمالية في السوق الأردنية 856 مليون دينار مسجلة نمواً بنسبة 34% عن عام.2021 كذلك تجاوزت موجودات القطاع مليار دينار والأهم من حجم الأقساط هو تحسن الجودة الفنية، حيث قفزت الأرباح بعد الضريبة من 11.8مليون دينار لعام 2021 لتصل إلى 18 مليون دينار في 2024.
هذه المؤشرات الإيجابية لم تكن لتتحقق لولا البيئة التنظيمية الواضحة والشفافة التي أنشأها البنك المركزي. فهي التي تعطي ثقة للمستثمرين المحليين والأجانب، حيث يسمح القانون بتملك أجنبي بنسبة تصل إلى 100% في شركات التأمين. كما أن التركيز على المنتجات المتخصصة، مثل التأمين الطبي الذي يشكل أكثر من ثلث السوق، يفتح آفاق نمو جديدة.

ولتعزيز حوكمة العلاقة بين الشركة والعميل. بدأ التوجه لسن قانون عقد التأمين الجديد. ومن المتوقع أن يركز هذا القانون على: حماية المستهلك وذلك بوضع حد للشروط التعسفية في وثائق التأمين، وفرض استخدام لغة بسيطة وواضحة. وعلى تنظيم دقيق للعلاقة معالجة إشكاليات تاريخية مثل تأخير دفع التعويضات وحق العميل في الإلغاء. وعلى مكافحة الاحتيال بتجريم المطالبات الوهمية وشراء الكروكات بعقوبات رادعة.

لقد تجاوز قطاع التأمين الأردني مرحلة الغرفة الحمراء ليدخل مرحلة النضج والمنافسة الحقيقية. فالبنك المركزي، من خلال حوكمة رشيدة ورقابة مستنيرة، لم ينقذ القطاع من الإرث المتهالك فحسب، بل وضعه على بداية الطريق الصحيح ليصبح قطاعاً قادراً على جذب الاستثمارات العالمية وخدمة الاقتصاد الوطني. واليوم، يمكن للمواطن أن يثق بأن ورقة التأمين في جيبه هي ضمان حقيقي، وليس وعوداً على ورق. المستهلك الواعي بحقوقه هو الشريك الرئيسي في استمرار هذه النهضة. اقرأ وثيقتك، واعرف أن هناك عيناً ساهرة في البنك المركزي الأردني لا تنام، ومستقبلاً واعداً للاقتصاد الوطني يرتكز على أسس متينة من الشفافية والحماية.











طباعة
  • المشاهدات: 4241
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
05-02-2026 11:07 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم