02-02-2026 08:42 AM
بقلم : نادية سعدالدين
ما يدور حالياً من تجاذب حاد بين “نتنياهو” والتيار الديني المتشدد، لاسيما “الحريديم”، يمكن تفسيره في الإطار الوظيفي لكيان مُحتل رسم معالم العلاقة بين الدين والسياسة بدقة منذ عام 1947 ضمن اتفاقية “الوضع الراهن”، مما يجعل “زوبعة” تجنيد المتدينيين نوعاً من المقايضة الخدمية التي اعتاد الساسة الصهاينة عليها حتى بين أقرانهم، وكان لها الأثر الأكبر على جوهر الصراع العربي – الصهيوني.
يُعد الدين بالنسبة لقادة الصهيونية مُعولاً وظيفياً متجدداً لخدمة مشروعهم الاستعماري الإحلالي في فلسطين المحتلة، والتوسعي بالمنطقة، مستفيدين من نصوص عنصرية توسعية عدوانية مُنتقاة في التوراة والتلمود و”القبـالة” (التراث اليهودي) و”الهالاخاة” (التعاليم الدينية اليهودية) والتي شكلت ذهنية اليهود ومرجعية معتقداتهم الفكرية والثقافية ومنطلق نظرتهم الإقصائية “للآخر”، فأوجدت لديهم استعداداً لتلقي الأيديولوجية الصهيونية.
وقد نظرت الصهيونية العلمانية إلى اليهودية باعتبارها “فولكور الشعب اليهودي” المُقدس الذي لا تخضع قيمه لأي نقاش أو تساؤل، ففكرة العهد بين الله تعالى و”الشعب” الذي مُنح “أرض فلسطين المقدسة”، كانت بمثابة الأسطورة الشعبية للصهيوني المتطرف “ديفيد بن جوريون”، ولكنه استخلص منها برنامجاً سياسياً مسترشداً بمفاهيم العهد القديم التي لا يؤمن بها لأنه مُلحد ولكنه يتقبلها كأساطير شعبية يهودية، فلم يهمه إن كانت واقعة “الوعد الإلهي” حقيقية أم لا، بقدر أن “تكون الأسطورة مغروسة في الوجدان اليهودي، وتبقى سارية المفعول حتى بعد كشف زيف الوعد المقطوع كأسطورة شعبية لا مصدر إلهي لها”، فالدين اليهودي عنده يُعبر عن الإجماع فقط.
ولأن الصهيونية جُوبهت بمعارضة شديدة من قِبل يهود مؤمنين بعقيدة “الماشيح”، بمعنى استيطان فلسطين المحتلة بعد مجيء “المسيح المخلص” وليس قبلاً، فقد لجأت إلى استغلال اليهودية لإضفاء صبغة دينية على نفسها لتظهر وكأنها امتداداً وليست نقيضاً لها، ومزجت المفاهيم القومية بالدينية، فحولت اليهود إلى “شعب” متميز بالمعنى القومي وأسبغت عليه بعداً دينياً، ودمجت بين الرؤية القومية والحماس الديني عن طريق تحويل العقيدة الدينية الأصلية إلى أسطورة قومية، والتأكيد على أن الدين عنصر من عناصر التعبير عن الشعب اليهودي ومظاهر شخصيته وأحد تعبيرات القومية اليهودية.
وشكلت أسطورة “أرض الميعاد” ركيزة صهيونية مُستمدة من الديانة اليهودية بعد تطويرها، فكان البعد العقيدي المرتبط بالديانة اليهودية حاضراً في الموقف الصهيوني من “الأرض” عندما وقع الاختيار على فلسطين، ولدى استثارة فكرة العودة عند اليهود بزعم إعادة بناء “الهيكل” وإقامة مملكة سليمان تحت قيادة “المسيح المنتظر”، عقب الالتفاف على المفهوم بالدعوة للعودة وإقامة “الدولة” بوسائل سياسية وبالاعتماد على العمل اليهودي الذاتي لتعجيل قدوم “المخلص” وعدم انتظاره.
وقد حاولت الصهيونية التوليف بين العنصرين الديني اليهودي والعلماني، بما يدعم مزاعم الأحقية بفلسطين، ويسمح بممارسة العقائد والطقوس اليهودية التقليدية وبترجمتها إلى اصطلاحات قومية علمانية.
وهكذا؛ لم تكن هذه الرؤية بحاجة للعلاقة التقليدية “بالأرض المقدسة” ولم تستند مباشرة إلى “الوعد الإلهي”، كما لم تربط الخلاص بمجيء “المسيح”، وجعلت التعبير الديني مجرد تجسيد واحد للوجود اليهودي القومي، وركزت على المراحل والفترات والأحداث المرتبطة بالتاريخ اليهودي التي تشغل حيزاً في الأدب اليهودي الديني، حيث يمكن المطالبة بفلسطين عن طريق “الشعب اليهودي” بالاستناد إلى العهد القديم الذي كان يراه بعض الصهاينة، مثل “بن جوريون”، “مجرد تعبير عن الروح القومية عند اليهود”.
وعلى هذا الأساس، استطاعت الحركة الصهيونية، رغم اتساع رقعة التنوعات الفكرية داخلها، الوصول إلى لغة مشتركة بين العلمانيين والمتدينين. ولكن الصهيونية، التي كانت تنظر إلى نفسها كمكمن إحلال لليهودية، حاولت التركيز على الدين اليهودي كمُساهم في بلورة الروح القومية للشعب اليهودي، وكأداة ووسيلة لتقوية الشعور الجماعي، عبر العودة للتراث اليهودي القديم والمطلق الديني، بمزج المفاهيم القومية بالمفاهيم الدينية، دون خلع الإطلاق الديني على الرموز القومية، وإنما استقاء رموزها وأفكارها القومية من التراث الديني ثم إفراغها من محتواها الروحي والأخلاقي ونقلها من مجالها الديني، حيث تجد شرعيتها الوحيدة، إلى المجال السياسي لإخراج صيغ شبه دينية للمشروع والبرنامج الصهيوني.
إن عملية الخلط بين المجالين الديني والسياسي تُعد مسألة حتمية بالنسبة للصهيونية من أجل البقاء واستمرارية الكيان المُحتل وتنفيذ مشروعه الاستعماري التوسعي في فلسطين المحتلة والمنطقة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
02-02-2026 08:42 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||