حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,1 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 3935

د. زياد جلال الحنفي يكتب: الخطاب الديني في عصر التحول الرقمي: بين الثبات والتجديد

د. زياد جلال الحنفي يكتب: الخطاب الديني في عصر التحول الرقمي: بين الثبات والتجديد

د. زياد جلال الحنفي يكتب: الخطاب الديني في عصر التحول الرقمي: بين الثبات والتجديد

01-02-2026 12:23 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. زياد جلال الحنفي
لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.
يقوم الخطاب الديني في جوهره على الثوابت العقدية والقيم الأخلاقية، وهي عناصر لا تتغير بتغير الزمان والمكان. غير أن وسائل تقديم هذا الخطاب، ولغته، وأدواته، وأساليب تفاعله مع الجمهور، أصبحت خاضعة لتحولات رقمية متسارعة. فالجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل فاعلًا يعلّق ويناقش ويقارن ويعيد النشر، ما يجعل الخطاب الديني أمام اختبار دائم للوضوح والاتزان والمصداقية.
أتاح التحول الرقمي فرصًا واسعة أمام الخطاب الديني، أبرزها توسيع دائرة الوصول إلى شرائح لم تكن تصلها الرسالة الدينية بسهولة، خاصة فئة الشباب. كما ساهم في تنويع أشكال المحتوى الديني، من النصوص المكتوبة إلى المقاطع المرئية والبودكاست، وصولًا إلى الدورات التعليمية الإلكترونية. هذه الأدوات، إذا أُحسن استخدامها، يمكن أن تعزز الفهم الوسطي للدين، وتدعم قيم التسامح والحوار والانفتاح.
في المقابل، يفرض الفضاء الرقمي تحديات حقيقية، من بينها اختزال القضايا الدينية العميقة في محتوى سريع أو عناوين مثيرة، أو انتشار اجتهادات غير منضبطة تفتقر إلى التأصيل العلمي. كما أن سرعة تداول المعلومات قد تفتح الباب أمام خطاب ديني متشنج أو سطحي، يبتعد عن مقاصد الدين وروحه، ويؤثر سلبًا في الوعي العام.

من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الخطاب الديني بما يراعي متطلبات العصر الرقمي دون التفريط في الأصول العلمية. ويشمل ذلك تطوير لغة الخطاب لتكون أقرب إلى الناس، وأكثر قدرة على مخاطبة قضاياهم اليومية، مع الحفاظ على العمق المعرفي والمرجعية الموثوقة. كما يتطلب الأمر تأهيل الدعاة والعلماء رقميًا، ليكونوا قادرين على استخدام المنصات الحديثة بوعي ومسؤولية.
إن التحول الرقمي لا يفرض تغيير الدين، بل يفرض تجديد أساليب عرضه وفهمه. فالدين، في جوهره، خطاب هداية وبناء، والتحول الرقمي يمكن أن يكون أداة داعمة لهذا الهدف إذا استُخدم ضمن رؤية أخلاقية واضحة. أما غياب هذه الرؤية، فقد يحوّل التقنية من وسيلة نشر للمعرفة إلى عامل تشويش وانقسام.
ختامًا، فإن الخطاب الديني في عصر التحول الرقمي يقف عند مفترق طرق: إما أن ينخرط بوعي في هذا العصر، فيسهم في ترشيد الفضاء الرقمي بالقيم والمعرفة الرصينة، أو أن يبقى أسير أدوات تقليدية تفقد قدرتها على التأثير. والتحدي الحقيقي لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في الإنسان القادر على توجيهها لخدمة الرسالة الدينية، بروح علمية، ومسؤولية أخلاقية، وفهم عميق لواقع العصر.











طباعة
  • المشاهدات: 3935
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
01-02-2026 12:23 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم