حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,27 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 3541

د.عاصم منصور يكتب: كوميديا الرئيس

د.عاصم منصور يكتب: كوميديا الرئيس

د.عاصم منصور يكتب: كوميديا الرئيس

27-01-2026 08:46 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.عاصم منصور
لطالما كانت المؤتمرات الصحفية للزعماء والقادة تُصنف ضمن الأدبيات البروتوكولية المملة؛ حيث تسود لغة محايدة، وكلمات منتقاة بعناية فائقة من قبل المستشارين، لتخرج في النهاية تصريحات باهتة تخفي خلفها من الأسرار والمصالح أكثر مما تظهر. فقد تعلمنا أن الدبلوماسية تعني، فن قول "لا شيء" بكثير من الكلمات، لكن، ومع صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم، انتهى عصر الرتابة السياسية إلى غير رجعة. لم يكتفِ ترامب بكونه رئيساً للقوة الأكبر في العالم، بل تحول إلى ظاهرة إعلامية عابرة للقارات، كسر فيها كل قواعد المواربة، معتمداً على مبدأ المكاشفة الصادمة التي لا تخشى قول ما يدور في العقل بوضوح تام، ودون أي فلاتر دبلوماسية.


يبرز هذا الوضوح الجلي، والذي يقترب من الفجاجة أحياناً، في تعامله مع الملفات الدولية الأكثر تعقيداً، فبينما كان الرؤساء السابقون يغرقون في ديباجات إنشائية طويلة حول "نشر قيم الديمقراطية" و"حماية الحريات"، كان ترامب يختصر الطريق ويضع إصبعه على الجرح مباشرة. فعندما يتحدث عن فنزويلا، فهو لا يبيع الأوهام الأيديولوجية، بل يذكر النفط والمعادن الثمينة كأهداف إستراتيجية واضحة. فالسياسة عنده ليست مسرحاً للمثالية الزائفة، بل هي واقع ملموس تحركه لغة الأرقام والمصالح. وهذا النهج التجاري الصرف جعل العالم يرى الوجه الحقيقي لمطامع الدول الكبرى دون رتوش؛ فترجمة شعار "أمريكا أولاً" تعني بوضوح تحقيق المكاسب الاقتصادية قبل أي اعتبار آخر.
لم يكن أسلوب ترامب المباشر عفوياً، بل ممارسة سياسية ذكية تلامس هوىً لدى قاعدته الانتخابية التي تعنيه بالدرجة الأولى، حيث يدرك ترامب أن جمهوره العريض سئم من نخب واشنطن ولغتهم الملتوية، لذا فهو يخاطبهم بلغة يفهمونها ويقدرونها؛ لغة القوة والوضوح والنتائج الملموسة. فبالنسبة لهذا الناخب، فإن حديث الرئيس عن النفط أو الأموال ليس فجاجة، بل هو صدق يفتقده السياسيون التقليديون، فهو لا يأبه بانتقادات النخب الثقافية وأصحاب "الياقات البيضاء" طالما أن رجل الشارع العادي في الأرياف الأميركية يشعر بأن هناك من يتحدث بلغته.
وبهذه السياسة، نجح ترامب في إعادة إحياء الاهتمام الشعبي بالمؤتمرات الصحفية، التي تحولت إلى عروض كوميدية يتابعها الملايين بشغف، فالجمهور يتابع مؤتمرات الرئيس ليس لمعرفة القرار السياسي فحسب، بل لمشاهدة تلك الجرأة في الاشتباك اللفظي وتسمية الأشياء بمسمياتها، حيث حول الخبر السياسي إلى مادة مشوقة تتصدر الترند العالمي ويتداولها الناس على شكل "ريلز"، متجاوزاً بذلك سطوة القنوات التقليدية التي وجدت نفسها تلهث خلف تصريحاته العفوية.
هذه الكاريزما التلقائية جعلت ترامب يضارب على أصحاب البرامج الكوميدية الساخرة والمحللين السياسيين، ففي السابق، كان الكوميديون يعيشون على التقاط زلات لسان السياسيين، ولكن مع ترامب، أصبح الواقع السياسي نفسه أكثر سخرية وصراحة من أي نص كوميدي مكتوب. ووجد المحللون السياسيون أنفسهم بلا عمل حقيقي؛ فبينما كانوا يقضون ساعات في محاولة قراءة ما خلف السطور كان ترامب يمنحهم السطور وما بينها في جملة واحدة فسحب البساط من تحت أقدام الجميع، ليصبح هو المصدر، والمحلل، وصانع الحدث في آن واحد.
يرى مؤيدو الرئيس في هذه الصراحة نزاهة، بينما يراها خصومه خروجاً عن اللياقة الدولية، لكن يتفق الجميع على أن ترامب قد أنهى عصر "الدبلوماسية الناعمة" التي كانت تضلل الشعوب، تاركا المؤسسات الإعلامية والسياسية في حالة ذهول أمام نمط قيادي لا يمكن التنبؤ به.











طباعة
  • المشاهدات: 3541
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
27-01-2026 08:46 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم