27-01-2026 07:59 AM
بقلم : د. زياد جلال الحنفي
لم يعد التعليم الجامعي اليوم كما كان قبل عقدٍ أو حتى بضع سنوات. فالعالم يتغير بسرعة، والذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية أو أداة مساندة، بل أصبح جزءًا فاعلًا في طريقة التعلّم، وإنتاج المعرفة، وتقييم الأداء. وفي خضم هذا التحول، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا: هل تتفوّق الجامعات التي تقدّم التعليم الإلكتروني عن بُعد على الجامعات التقليدية؟ أم أن القضية أعمق من مجرد مقارنة بين نمطين؟
في الحقيقة، يبدو أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة. فالتفوّق لم يعد مرتبطًا بالمكان، ولا بعدد القاعات أو المباني، ولا حتى بشكل التعليم حضوريًا كان أم رقميًا. التفوّق اليوم يرتبط بالقدرة على تمكين الإنسان من الفهم، والتفكير، والتكيّف مع عالم متغيّر، دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية أو إنسانيته.
الجامعات التي تقدّم التعليم عن بُعد تمتلك مزايا واضحة لا يمكن إنكارها. فهي أكثر مرونة، وأسرع في تحديث مناهجها، وأقدر على الوصول إلى شرائح واسعة من المتعلمين، خصوصًا أولئك الذين تحول ظروفهم المعيشية أو الجغرافية دون الالتحاق بالتعليم التقليدي. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، أصبحت هذه الجامعات قادرة على تقديم تجربة تعلم أكثر تخصيصًا، تتابع تقدّم الطالب، وتكشف نقاط ضعفه، وتقترح له مسارات تعلم تناسب احتياجاته وقدراته.
هذه المزايا تجعل التعليم الإلكتروني جذابًا وفعّالًا في كثير من التخصصات، خاصة تلك التي تعتمد على المعرفة النظرية، أو المهارات الرقمية، أو التعلم المستمر المرتبط بسوق العمل. لكن هذه الصورة، رغم إيجابيتها، لا تكتمل دون التوقف عند ما قد يُفقد في المقابل.
فالجامعة، في جوهرها، ليست مجرد محتوى يُنقل، ولا مهارات تُكتسب، بل هي تجربة إنسانية متكاملة. هي مساحة للحوار، وللاختلاف، ولتشكّل الشخصية الفكرية والاجتماعية. في القاعات، وفي النقاشات الجانبية، وفي التفاعل المباشر، يتعلّم الطالب ما لا يمكن للخوارزميات أن تمنحه بسهولة: كيف يستمع، وكيف يعترض، وكيف يبني رأيًا، وكيف يتعامل مع الآخر.
وهنا تظهر قوة الجامعات التقليدية، لا بوصفها مؤسسات جامدة، بل كبيئات حية تصنع الإنسان قبل الشهادة. فالتعلّم الحضوري يوفّر سياقًا إنسانيًا غنيًا، ويساعد على بناء العلاقات، ويعزز الانضباط الذاتي، ويُنمّي الحسّ بالمسؤولية الجماعية. كما أن بعض التخصصات، بطبيعتها العملية أو المخبرية، ما زالت بحاجة إلى حضور فعلي وتجربة مباشرة لا يمكن تعويضها بالكامل بالتقنيات الرقمية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أحد النموذجين بحد ذاته، بل في الجمود. الجامعة التقليدية التي ترفض التغيير، وتتجاهل التحول الرقمي، ستجد نفسها معزولة عن واقع الطلبة وسوق العمل. وفي المقابل، الجامعة الرقمية التي تكتفي بتقديم محتوى سريع ومجزأ، دون بناء عمق فكري أو وعي نقدي، قد تنتج خريجين يمتلكون المهارة، لكنهم يفتقرون إلى الرؤية.
الذكاء الاصطناعي، رغم قوته، لا يصنع معنى بمفرده. هو أداة ذكية، لكنه لا يحمل قيمًا، ولا يحدّد غايات. وهنا تأتي مسؤولية الجامعة، أيًّا كان شكلها، في أن تستخدم هذه الأدوات لتعزيز التفكير، لا لاستبداله، ولتوسيع أفق المتعلم، لا لاختزاله في بيانات وأنماط سلوكية.
من هذا المنطلق، يبدو أن التفوّق الحقيقي في المرحلة القادمة لن يكون للجامعة الرقمية وحدها، ولا للتقليدية وحدها، بل للنموذج الذي ينجح في الجمع بين الاثنين بوعي. جامعة تستثمر في التكنولوجيا دون أن تفقد بعدها الإنساني، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين التعلّم، لا لتفريغه من مضمونه، وتحافظ على دورها كفضاء لبناء الإنسان، لا كمجرد مزود للخدمات التعليمية.
في النهاية، السؤال الأهم ليس: أي الجامعات تتفوّق؟ بل: أي جامعة تدرك مسؤوليتها في زمن يتغير فيه معنى المعرفة، وسرعة التعلم، ودور الإنسان نفسه. التفوّق لم يعد في الوسيلة، بل في الرؤية. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد تكون الجامعة الأنجح هي تلك التي تذكّرنا، وسط كل هذا التسارع، بأن التعليم فعل إنساني قبل أن يكون إنجازًا تقنيًا.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
27-01-2026 07:59 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||